#الثورة_الجزائرية و #الثورة_الفلسطينية

دكتور محيي الدين عميمور

لم يكن الرئيس الجزائري الراحل هواري بو مدين يرجم بالغيب وهو يقول ما معناه إن نصرة القضية الفلسطينية ودعم جهادها هو الإسمنت الذي يدعم الوحدة العربية، كما أن التهاون في نصرة القضية سيكون الديناميت الذي يفجر تلك الوحدة، وهي كلمات تتأكد صحتها يوما بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة.

وفي الذكرة التاسعة والستين لاندلاع الثورة الجزائرية التي تزامنت مع “طوفان الأقصى” أحاول أن أستعرض، في كلمات برقية، سر العلاقة الخاصة بين الجزائر وفلسطين.

فكثيرون لا يعرفون أن نصرة القضية الفلسطينية والجهاد العربي ضد الغزاة لم يكن نزوة طارئة أو انتفاضة عابرة، وغياب الصورة الكاملة للدعم الجزائري يعود إلى تفادي رجالاتنا استعراض مساهماتهم في الجهاد العربي عبر السنين، ربما بتأثير عقدة نتجت عن مبالغة آخرين في التهليل لمساهماتهم في دعم الثورة الجزائرية.

ولقد فوجئ كثيرون عندما عرفوا أن اختيار الرئيس الراحل لاسم بو مدين كاسم ثوري لم يكن أمرا ارتجاليا، بل كان تسجيلا لدور “بو مدين” الغوث الذي فقد ذراعه وهو يحارب في جيوش صلاح الدين ضد الصليبيين منذ أكثر من عشرة قرون.

ودفنت الذراع عند أسوار بيت المقدس بالقرب من الحي الذي كان اسمه “حارة المغاربة”، والتي كانت أوقافا حبسها مجاهدو المغرب العربي لكل ما تُنفَق عليه مداخيل الأوقاف، إلى أن هدمها الكيان الصهيوني في توسعته لمنطقة حائط البراق الذي أسموه حائط المبكى.

وعرفت الثلاثينيات والأربعينيات مساهمة العديد من الجزائريين في حملات التضامن مع الشعب الفلسطيني، وتألق آنذاك نجمُ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ الفضيل الورتلاني باسم جماعة الإخوان المسلمين والشيخ الهلالي عميمور باسم الطريقة العلوية، وكان عميمور هو ممثل المغرب العربي في لجنة عروبة القدس التي كان يرأسها الحاج أمين الحسيني، كما روى ذلك أكرم زعيتر في برنامج أردني متلفز.

وكان الإعلامي سهيل الخالدي ممن عملوا على تخليد المساهمات الجزائرية لدعم #الجهاد الفلسطيني في حدود ما أمكنه الحصول عليه من وثائق.

لكن المساهمة المعاصرة الأكثر فعالية كانت ما قام به #الرئيس_بومدين بعد استقباله ل #ياسر_عرفات في منتصف الستينيات، عندما قال له: أطلق رصاصة أو قم بعملية ضد الكيان الصهيوني وستجدنا إلى جانبك، وهو ما حدث فعلا وتواصل إلى يوم الناس هذا.

كان هذا هو الموقف السليم لرجل دولة يستقبل مناضلا لا يعرفه ولا يسبقه تاريخ جهاديّ يُعرّف به، وهو نفس ما قاله #جمال_عبد_الناصر لأحمد بن بله، الذي وصل إلى مصر تحت اسم مزياني مسعود ليطلب دعم #مصر في تفجير ثورة #الجزائر.

وليس من باب التفاخر الأحمق أن نقول بأن الثورة الجزائرية كانت مصدر الإلهام الأول للثورة الفلسطينية، ولأكثر من سبب.

السبب الأول هو أن الكيان الصهيوني مارس في فلسطين نفس أسلوب الاستعمار الاستيطاني الذي عرفته الجزائر خلال الاستعمار الفرنسي، وتماما كما شُرّد أبناء الجزائر من أرضهم لمصلحة أوربيين ملهوفين شرد أبناء فلسطين من أرضهم لمصلحة الأشكيناز الغزاة.

والسبب الثاني هو أن المواجهة، في الجزائر وفي فلسطين، كانت ضد جيش مزود بكل الأسلحة الفتاكة، وفي الوقت نفسه ضد جموع مستوطنين كانوا شذاذ آفاقٍ يتصفون بالاستعلاء الذي يعبر عن عقدة نقص كانت جزءا من وجودهم.

ويضاف إلى هذا سبب جوهري هو إدراك المجاهدين أن المعركة مع العدوّ هي معركة طويلة يجب أن تعتمد عل أسلوب الكرّ والفرّ الذي يرهقه ويمتص قواه، وهو ما يعني أن الحرب يجب أن تلجأ لأسلوب العصابات لأن هذا هو الأسلوب الممكن في مواجهة عدوّ يسيطر على الأرض ويتحكم في الجوّ ويتمتع بدعم قوًى دولية لا ترضى بقيام وجود عربي إسلامي يتحكم في ثرواته الطبيعية ويسيطر على مجاله الجغرافي.

من هنا كان من الطبيعي أن تكون الثورة الجزائرية هي المثال الذي يُحتذى به، والقدوة التي يتحتم أن تسير الثورة الفلسطينية على هداها.

وهكذا كانت القيادة الجزائرية في طليعة من لجأ إليهم المجاهدون الفلسطينيين، مع الأخذ بعين الاعتبار ما تفرضه عليهم التوازنات الإقليمية في المشرق العربي من حساسيات لا يمكن تجاهلها.

وهنا جاء الخلل الذي كان له دوره في المساس بفعالية الكفاح الفلسطيني.

فبينما تمكنت الثورة الجزائرية من تحقيق السيطرة الكاملة على كل ما يتعلق بالقرار الجزائري تعرضت الثورة الفلسطينية إلى الكثير من التدخلات التي لا مجال لاستعراضها اليوم.

وربما كان من نتيجة هذا تعدد الفصائل الفلسطينية بتعدد المراجع العربية التي كانت تستند لها وتعتمد عليها.

لكن الجزائر حرصت منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية على ألا تدخل في جوّ التلاعب بين الفصائل الفلسطينية، وهكذا التزمت بدعم القوة المقاتلة التي حملت اسم “فتح” بدون أن تعادي قيادات الفصائل الأخرى التي لا تنسجم، لسبب أو لآخر، مع ياسر عرفات.

والذي يعود إلى كتابات مجلة “الجيش” في الستينيات، إثر انطلاق الثورة الفلسطينية، سيلاحظ تركيز الخط الافتتاحي للمجلة، التي كان يرعاها ويوجهها هواري بو مدين، على أن القضية فلسطينية أولا عربية ثانيا، ولا مجال لقلب المعادلة وإلا كان الأمر سلبا لحق الفلسطينيين في اتخاذ القرار الذي يهم ثورتهم.

 ومن هنا كان حرص الجزائر على دعم منظمة التحرير الفلسطينية والمناداة بها كممثل شرعي ووحيد للثورة الفلسطينية، وهو ما كان أحيانا سببا في فتور علاقة الجزائر ببعض الأطراف العربية، خصوصا عندما بدأت الجزائر في تزويد الثورة الفلسطينية بالأسلحة والمعدات الحربية.

كان كل هذا يدور في ذاكرتي وأنا أصطحب ياسر عرفات في منتصف السبعينيات إلى مطار الجزائر لتقله طائرة جزائرية إلى نيويورك، حيث سيلقي خطابه التاريخي في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي كان يرأسها عبد العزيز بو تفليقة.

لكن المثير للأسى هو أن إجهاض النتائج السياسية لحرب أكتوبر 1973 المجيدة أعطى لكيسنجر فرصة انتزاع القرار السيادي العربي، وأعطي الكلمة الأخيرة للكيان الصهيوني.

وهكذا كانت زيارة القدس المحتلة في نوفمبر 1977 بداية الانحراف الذي قاد إلى أوسلو، وكان اغتيال ياسر عرفات طيّا لصفحة من أهم صفحات الجهاد الفلسطيني، وتولى أمر القضية، بدعم غربي واضح، بعض من لم يبذلوا جهدا نضاليا لتفادي تفتت الصف الفلسطيني.

وإذا كنت أتفادى استعراض ما قامت به الجزائر دعما للثورة الفلسطينية لأنني أراه أقلّ من نقطة دمٍ واحدة لشهيد، يمكنني أن أقول أن من بين ما كنت أريد أن أتفادى تناوله هو أن الموقف الجزائري من القضية الفلسطينية كان سبب مواقف عدائية تعرضنا لها من أطرافٍ عربية، وبعض هذه المواقف معروف للجميع والبعض الآخر يمكن استنتاجه من تصرفات البعض بالأمس القريب والبعيد.

وكان أخطر ما في الأمر هو أن تطبيع بعض الأطراف العربية كان الداعم الرئيسي لشراسة العدوّ الصهيوني التي عشناها في الأيام الماضية.

وأخطر من كل هذا هو ما سمعناه مؤخرا من أن أطرافا عربية هي أحرص للقضاء على المقاومة الفلسطينية من العدوّ الصهيوني.

ويكفي أن بعضها لا يخجل من الإشارة لرجال المقاومة على أنهم إرهابيون.

وفيما يتعلق بنا، فإن من إيجابيات المأساة سقوط أقنعة البعض، وهكذا تأكد ما كنا نراه من أن الفرانكوفونية “الجديدة” هي فرانكوفيلية فاجرة.

رحم الله الشهداء ولا قرت أعين الجبناء.

كاتب ومفكر ووزير اعلام جزائري سابق

Print This Post

 

هل كانت تلمسان مغربية ؟ تحقيق تاريخي | و قصة أغادير الجزائرية

تلمسان هي المدينة التي الخليفة العباسي " تِلِمْسَانْ باب افريقية ..ومن ملك الباب ملك الدار .." تلمسان ايضا هي المدينة التي قيل عنها انها كانت قائمة ايام النبي موسى عليه السلام الذي زارها صحبة الولى الصالح او النبي الخضر اذا ييذكرون انها كانت مسرحا لما جاء في الآية الثمانين من سورة اهل الكهف التي جاء فيها بعد بسم الله الرحمان الرحيم : ﴿وَأَمَّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَينِ يَتيمَينِ فِي المَدينَةِ وَكانَ تَحتَهُ كَنزٌ لَهُما وَكانَ أَبوهُما صالِحًا فَأَرادَ رَبُّكَ أَن يَبلُغا أَشُدَّهُما وَيَستَخرِجا كَنزَهُما رَحمَةً مِن رَبِّكَ وَما فَعَلتُهُ عَن أَمري ذلِكَ تَأويلُ ما لَم تَسطِع عَلَيهِ صَبرًا﴾ [الكهف:82] ورد ذكرها في العديد من الكتب منها .. كتاب معجم البلدان ".. ويزعم بعضهم أنه البلد الذي أقام به الخضر، عليه السلام، الجدار المذكور في القرآن، سمعته ممن رأى هذه المدينة وينسب إليها قوم، منهم: أبو الحسين خطّاب بن أحمد بن خطّاب بن خليفة التلمساني، ورد بغداد في حدود سنة 520، كان شاعرا جيّد الشعر قاله أبو سعد." كتاب آثار البلاد وأخبار العباد " ..قرية قديمة بالمغرب. ذكروا أن القرية التي ذكرها الله تعالى في قصة الخضر وموسى: فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما، فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه. قيل: إنه كان جداراً عالياً عريضاً مائلاً، فمسحه الخضر، عليه السلام، بيده فاستقام.وحدثني بعض المغاربة أنه رأى بتلمسان مسجداً يقال له مسجد الجدار، يقصده الناس للزيارة. " كتاب في لابن كثير " .. مدينة عظيمة قديمة، كانت قاعدة المغرب الأوسط وما تزال من اكبر مدن الجزائر. وينسب إليها عدد من العلماء والمتصوفة منهم سيدي بو مدين. وأبو العباس أحمد بن محمد التلمساني، صاحب كتاب نفح الطيب. "

فصل من كتاب -"جلالة الملك، أنا مدين بالكثير لوالدك .. فرنسا – المغرب قضية عائلية ".
ثمة مثال آخر للتواطؤ بين العاصمتين كاريكاتوري هو الآخر لكنه أقل عرضة للتناول من وسائل الإعلام – على الأقل في فرنسا. و يخص هذا المثال مستقبل الصحراء الغربية .. إذ نادرا ما تتناول الصحف الفرنسية الملف وهي مخطئة في ذلك: فإذا ما سقط العرش المغربي ذات يوم فإن ذلك سيكون بسبب الصحراء الغربية.

إذ يمثل مستقبل هذا الإقليم منذ ثلاثين عاما صراعا بين المغرب الذي يحتله عسكريا وجبهة البوليزاريو التي وجدت ملجأ في الجنوب الجزائري. وتعتبر المملكة هذا الجزء أرضا مغربية بينما تناضل جبهة البوليزاريو من أجل إستقلاله.

وليس الأمر بسيطا في نظر المغرب: فمنذ عهد الحسن الثاني، جعلت السلطات من قضية "إستعادة الأقاليم الجنوبية( 1 ) قضية وطنية مقدسة. وتتبنى كل الأحزاب السياسية بما في ذلك الإسلاميين هذا المطلب الذي يحتكر ديبلوماسيي المملكة ويثقل بكاهله على خزينة الدولة. و يجازف كل من يتجرأ في الرباط على التشكيك في " مغربية " الصحراء الغربية بتعريض نفسه لمتاعب قد توصله إلى السجن.


ومنذ " المسيرة الخضراء " – وهي اغارة على الصحراء الغربية شنها الحسن الثاني في 1975 – تجهد منظمة الأمم المتحدة نفسها في إيجاد مخرج لهذا النزاع المنسي، الموروث جزئيا من الحرب الباردة ومن تصفية إستعمار متسرعة. وبديهي أن الحل الطبيعي لتحديد مستقبل هذا الإقليم يكمن في تنظيم إستفتاء لتقرير المصير. و في هذا الصدد عملت بعثة تابعة لمنظمة الأمم المتحدة لمدة سنوات إلى أن بدا فشلها مكشوفا؛ إذا لم يتفق الطرفان المتنازعان إطلاقا حول تركيبة الهيئة الإنتخابية المدعوة للإختيار بين الإرتباط بالمغرب أوبين الإستقلال.

حقا، فإن تحديد هوية من هو صحراوي ممن هو غير ذلك أمر صعب في مجتمع رحل تطغى عليه الثقافة الشفاهية. ومن باب زيادة تعقيد المشكل لاتطرح مسألة المدنيين المغاربة الذين قدموا ل " إستعمار " الصحراء الغربية، هل يجب أن يشاركوا في الإستفتاء أم لا؟

وقد بلغ الإنسداد درجة أن منذ حوالي خمسة عشر سنة من صمت السلاح بين المغاربة

ومقاتلي البوليزاريو، تعاقبت مخططات السلام الأممية دون نجاح، إذ يتشبث كل طرف بموقفه. و تبذل الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية التي إبتعدت عنها القوى العظمى ولكن تعترف بها عشرات الدول- ومنها في الفترة الأخيرة جنوب إفريقيا والأورغواي – بجهود لتوسيع مكانتها الدولية. أما المغرب، القوة الإستعمارية، فإنه يلعب ورقة الوقت ويقوم بإستغلال "الصحراء النافعة".

إن المغرب الذي دخل في سباق إبطاء، يعلم أنه يمكنه الإعتماد على قصر" الإليزيه ".

ولا تخفى الأسباب الكامنة وراء ذلك . ففرنسا لا تريد دولة صحراوية تتخيل، ببساطة، أنها ستنحاز إلى الجزائر، الحليف التاريخي للبوليزاريو. وحتى لو لم يحدث ذلك فإن باريس ترفض تصديق فكرة صلاحية دولة قائمة على الرمال: عدد ضئيل من السكان المبعثرين في اقليم واسع الأرجاء و بلدان مجاورة مضايقة، وموارد إقتصادية ملمح إليها...

إن هذه الحجج ليست من النوع الذي يمكن كنسه بحركة من اليد، فإستقرار النيجر أو موريتانيا، بلدي الساحل المجاورين يدعو إلى الحذر. ومع الجزائر والمغرب، العدوين اللدودين، على ما يبدو، فإن المنطقة لن تعرف السلم .

لكن باريس لا تريد الإستماع إلى الحديث عن دولة صحراوية لأسباب أخرى غير مباح بها: فهناك التخوف الفرنسي من أن تظهر، في المنطقة بين المغرب وشريط البلدان الممتد من موريتانيا إلى السنيغال، إلى إفريقيا الغربية، دولة تابعة لن تكون لغتها الرسمية سوى لغة المستعمر السابق، الإسبانية. إذ عندئذ سينقطع الإمتداد اللغوي وتتعرض الثقافة الفرنسية إلى التهديد . وهذا أفق لا يريح باريس . كما ثمة – خصوصا – خوف من تناثر العرش المغربي مثل القشة إذا ما إرتقت الصحراء الغربية إلى مصاف دولة. لقد أجهد العرش نفسه في العزف على وتر الوطنية منذ عقود، وإستثمر الكثير من الأموال لجذب " المعمرين" المغاربة إلى الصحراء وورط الجيش الملكي بشكل عميق في الدفاع عن "الأقاليم الجنوبية "حتى يتجنب إنقلاب الوضع إذا ما تمكن الصحراويون من انتزاع إستقلالهم.

إن باريس لا تجهل تماما الخطر المحدق. وقصد إبعاده، لم يكف "الإليزي" و "الكي دورسيه"، في نيويورك، مقر الأمم المتحدة، عن نسف كل شروع في حل قد قد يضفي هشاشة على النظام المغربي. وقد حققا هدفهما: فالحل عبر إستفتاء تقرير المصير هو بصدد التعرض للدفن رغم أنه أظهر، عدة مرات، قدرته في مسار تصفية الإستعمار.

وقد إعترف الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة كوفي عنان بذلك عندما قال: "إن القوى العظمى تقر، اليوم، بأن للمغرب حقوقا تاريخية على "إقليم "إفتك بالقوة"

من الجانب الفرنسي، ساند عدد من الديبلوماسيين عملية مساعدة المغرب التي رغب فيها "الإليزي ". وقد تولى هؤلاء الديبلوماسيون هذا العمل بدافع الواجب أكثر منه بدافع الإقتناع . فهل، إلى جانب ذلك وجد بعضهم مزايا مالية مقابل ذلك ؟

ربما قد تبت العدالة فيما إذا كان جون- بيرنار ميريمي، الذي إستدعاه القضاء في إطار ملف "النفط مقابل الغذاء" من بين هؤلاء ( 2 ) إن هذا السفير الفرنسي في المغرب، في نهاية الثمانينيات، قبل إلتحاقه بنيويورك لتمثيل فرنسا في مجلس الأمن لمنظمة الأمم المتحدة، إبن قاض، هو واحد من "أصدقاء المغرب"، حيث يملك، بالقرب من مدينة "ورزازات " وبحيراتها، "شاليه " فخما منحت له أرضيته من طرف الملك الحسن الثاني، حسب "الوزير الكبير" السابق ..

لقد عرف المغرب كيف يربط صلته ب" جون بيرنار ميريمي": فحينما غادر هذا الديبلوماسي "الكي دورسيه "، في منعطف القرن، إقترح عليه أهم بنك مغربي خاص، وهو بنك المغرب للتجارة الخارجية، الدخول في مجلس إدارته. وفي هذا لم يلجأ البنك إلى نكرة، طالما أن السيد " ميريمي" يحمل صفة " مستشار خاص للشؤون الدولية " لرئيس البنك. ومن غير المجدي هنا إطالة الحديث عن المزايا المرتبطة بهذه الوظيفة: أجر هام، تذاكر السفر بالطائرة للسيد والسيدة، وسيارة بسائقها في باريس ... فهل فضل السيد ميريمي، عندما كان ممثلا لفرنسا في الأمم المتحدة، صداقاته المغربية فوق الحد المعقول؟. إن الجزائريين مقتنعين بذلك ويتهمونه بتلقي مقابل مالي من المملكة، مما دفع إدريس البصري إلى نشر تكذيب صاعق. واليوم، يوضح الساعد الأيمن للعاهل الراحل: " نعم لقد كان يساعدنا. وكان يفعل ذلك مجانا. لكن يجب أن لا ننسى، أيضا، روح النبل التي كان يبديها الحسن الثاني لأصدقائه" ( 3 ) دون أن يزيد فوق ذلك.

ومع ذلك فإن "سياسة الأظرفة " هي إختصاص الساسة المغاربة. إذ هم يمارسونها منذ وقت طويل لسد عجز ديبلوماسية تتكبد المعاناة في ملف الصحراء الغربية. يقول بيرنار ميي، الذي شغل منصب مستشار ديبلوماسي لكوفي عنان في الأمم المتنحدة، بعد فترة قضاها في الإليزي" إن إستراتيجية المغاربة تنحصر في شراء ذمم الناس: قادة جبهة البوليزلريو، الديبلوماسيين الأجانب، مسؤولي منظمة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية" ( 4 ).

إن الرجل يعي ما يقوله: فقد كانت لهذا الفرنسي، بصفته الرجل الثاني في الأمم المتحدة، بين 1997 و 2000، فرصة تقدير الأساليب المغربية. ويقول ميي:" مرة، في 1998، كنت سأقابل الحسن الثاني في إطار جولة في المنطقة المغاربية بخصوص الصحراء الغربية. وقد آواني المغاربة في فندق ال"هيلتون" في الرباط. ومع أنني جئت وحدي إلا أنهم وضعوا تحت تصرفي غرفتين وقاعتي حمام. وكان في إحداهما ما لا يقل عن ثلاثمائة قارورة عطر في إنتظاري. لقد أرادوا شراء ذمتي وكانت تلك القارورات هدية الترحيب".

ولم تضع الهدية بالنسبة للجميع: فقد ذهب فرنسي، وهو مدير إذاعة جاء لزيارة بيرنار ميي، بنصف الكنز مخفيا في كيس نفايات. وفي أعقابه ورث ديبلوماسي مغربي رفيع المستوى بقية القارورات.

وبعد فشلهم مع الرجل الثاني في منظمة الأمم المتحدة، إستدار المغاربة نحو محيطه. وتم ذلك بنجاح كبير: إذ كانت موظفة فرنسية، مساعدة قريبة لبيرنار ميي، لمدة سنوات، ما يشبه عون نفوذ للرباط في الأمم المتحدة. وقد أسر لنا إدريس البصري الذي كان مكلفا بملف الصحراء الغربية، بأنها "كانت تحوز على ثقة الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة. وكانت احد القلائل الذين يتفهمون موقف المغرب. وقد ساعدتنا. كنت قد إستقبلتها في بيتي عدة مرات".

خلال هذه الفترة، كانت إحدى إنشغالات القصر الملكي تتمثل في الحصول على وثائق حول الصحراء الغربية قبل مناقشتها في مجلس الأمن للأمم المتحدة، بوقت طويل. وأضاف الوزير السابق: "وكان ذلك أمرا مهما بالنسبة لنا. وكنا نرسلها للحسن الثاني فور تلقيها. وبذلك أمكن للملك التحرك من خلال الإتصال بقادة الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي.

لقد كان الإجراء من ضمن أساليب الصراع لكنه كان ذو مدلول تافه: فالأساسي بالنسبة للرباط، كان دائما هو الإتكاء على فرنسا، العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي، لتفادي أية مفاجأة سيئة في الأمم المتحدة، إذ أضحى ملف الصحراء الغربية، الذي تتم معالجته دون علم الديبلوماسية الفرنسية، في نظر باريس، قضية ذات أهمية قصوى.

وقد لاحظنا هذه الحقيقة في 2001، فمنذ سنوات، كان كاتب الدولة الأمريكي السابق، جيمس بيكر، الذي أصبح ممثلا خاصا لكوفي عنان بخصوص الصحراء، يجهد نفسه لإيجاد حل لهذه القضية. وهذه المرة كان يعتقد لأنه قد وجد هذا الحل. وفي الصيغة الجديدة لمخططه، لم يعد الأمر يخص استفتاء وإنما حكما ذاتيا للصحراء الغربية يتم التفاوض حوله في إطار مملكة المغرب.

وصفقت فرنسا للمشروع: إذ كان "الإليزي" مقتنعا بأن الإستفتاء سيكون أمرا إنتحاريا بالنسبة للمملكة. فهنالك أغلبية من السكان، ليست بين الصحراويين فقط، يمكن أن تصوت لصالح الإستقلال. وقد تجرأ سفير فرنسا على قول ذلك للحسن الثاني في وقته مما تسبب في غضب إدريس البصري عليه. لهذا وجد الحل في حكم ذاتي في الصحراء الغربية. وقد أبدت باريس إبتهاجها، خاصة وأنه أمام روسيا التي بدت مترددة، إستقبلت بريطانيا والولايات المتحدة التسوية بشكل مؤيد.

وأمام تفاؤل باريس، إعتبر القصر الملكي أن الإتفاق قد حصل. وهذا ما أبداه محمد السادس: إذ رد على سؤال "طرحته عليه "الفيغارو"، في سبتمبر 2001، قائلا، دون مواربة: "لقد سويت مسألة الصحراء التي كانت تسمم حياتنا منذ خمسة وعشرين سنة ( 5 ) ". وأضاف العاهل: وهذا النوع من القضايا لا يحل بالصعود على منصة وبنشر بيان كل يوم. إذ للحصول على إعتراف الأعضاء الأحد عشرة في مجلس الأمن الدولي للأمم المتحدة بالسيادة المغربية على صحرائنا، بذلنا جهدا شاقا في أقصى سرية خلال ثماني عشرة شهرا".

لكن الإنتصار والإحتفال الفردي كان قصيرا. لقد تصرف الملك كما لو أن الجزائر، المعارضة لهيمنة المملكة على الصحراء الغربية، لا وزن لها، وكما لو أن إسبانيا، القوة المستعمرة السابقة يمكن إعتبارها كما مهملا في هذا الملف في وقت تتوفر فيه على صوت محترم في الأمم المتحدة. وكما لو أن عشرات الدول لم تعترف بالجمهورية الصحراوية. وكانت النتيجة أن مشروع الحكم الذاتي الصحيح – الزائف لم يقدم على الإطلاق لمجلس الأمن الدولي. وكانت المجازفة بالتقدم به مخاطرة مآلها الفشل.

ويبقى ثمة سؤال: لماذا ترك الملك محمد السادس نفسه عرضة لتفاؤل أقل ما يقال عنه أنه تفاؤل مبكر؟ ومن نصحه بطريقة سيئة ؟ ومن أوهمه بأن النزاع حول الصحراء في طريقه إلى الحل لصالح المملكة ؟ هل هم مستشاروه الذين يسخر منهم جاك شيراك أم الديبلوماسيون المغاربة هم من أوهمه بذلك؟

وبهذا الخصوص يتوفر القادة الإسبان على جواب، إن فرنسا، من خلال سفيرها في المغرب، ميشال دوبونكورس، هو الذي غرر بالملك. وقد حلل ديبلوماسي إسباني، فضل التستر على إسمه، هذا الأمر بالقول : "بحسن نية أقنع الديبلوماسي الفرنسي محمد السادس بأن مجلس الأمن سيصوت على الإتفاق مقابل ضغط بسيط على إسبانيا. ولكون الأمور أخذت منحى مختلفا، ظن محمد السادس أن إسبانيا هي السبب. وقد إغتاظ من مدريد عوض لوم سفير فرنسا".

وعرفت القضية تطورا جديدا في صيف 2003 مع ما سيصبح آخر صيغة لمخطط بيكر. وهذه المرة، إقترح الأمريكي نظام شبه حكم ذاتي لمدة أقصاها خمس سنوات قبل تنظيم إستفتاء لتقرير المصير. وحتى لا يتيه في نقاش لا نهاية له حول تشكيلة الهيئة الإنتخابية، يدعو جيمس بيكر إلى السماح بالتصويت للصحراويين وأيضا، لكل شخص في سن الثامنة عشر أو أكثر ويقيم في الإقليم منذ أربع سنوات.

وتساعد هذه المقاربة المغرب الذي شجع، بعدة إجراءات مالية وجبائية، رعاياه للذهاب للإقامة في الصحراء الغربية. ومع ذلك فإن جبهة البوليزلريو وعرابها، وبعد بعض التردد، قبلا، في نهاية الأمر، بمخطط بيكرلأنه يفضي إلى إقتراع (6). وربما يكونان قد أملا في أن يكون المخطط بداية مسار الإستقلال.

ولأنهم لا يشاطرونهما هذا التحليل، أصلا، قرر المغاربة رفض هذا المخطط. إذ لم يعودوا يقبلون بإستفتاء لتقرير مصير إقليم يرون انه تابع لهم. وفي الواقع فإنهم يخشون نتيجة هذا الإستفتاء. وقد أسر الوزير المغربي المنتدب للشؤون الخارجية الطيب الفاسي- الفهري لمجموعة قليلة من جلسائه بأن: "مخطط بيكر هو سير مبرمج نحو الإستقلال".

إن الوضع دقيق بالنسبة للمغرب وحليفه الدائم، فرنسا. أما الولايات المتحدة الأمريكية فإنها دعمت بحزم، لم يعهده فيها المغرب، كوفي عنان في إرادته في التصويت على مخطط بيكر المراجع والمصحح وتطبيقه دون إبطاء. وعندما تلي نص اللائحة في مجلس الأمن، لم يكف ممثل فرنسا، جون - مارك دولاسابليير، عن هز رأسه للتعبير عن رفضه. ولم يتوقف عن ترديد: "يجب أخذ حساسية المغاربة في الحسبان".

ومرة أخرى ستسعى فرنسا – مدعومة في ذلك بمستعمرتين سابقتين، وهما الكاميرون وغينيا – إلى إفشال المخطط وإنقاذ المغرب. وبالفعل فقد صادق الأعضاء الخمسة عشر في مجلس الأمن على مخطط بيكر بالإجماع، لكن، وهذا هو الأهم، تم ذلك في صيغة مخففة، إذ لم يعد الأمر يتعلق بفرض تطبيق المخطط على الطرفين المتصارعين، بحيث أن الوثيقة تكتفي بدعوتهما إلى "التعاون" مع الأمم المتحدة وجيمس بيكر. وقد يبدو الفرق بسيطا وحتى الأمريكان والروس كانوا مقتنعين بأنه عديم الأهمية. وفي الواقع فإن ذلك أمر أساسي لأنه لم يتقرر أي إكراه ضد الأطراف – المغرب، الجزائر وجبهة البوليزاريو – التي لا تنخرط في اللعبة. وبغض النظر عن المظاهر، فإن حل المشكلة لم يتقدم قيد أنملة. وقد إستخلص جيمس بيكر العبرة من ذلك من خلال إستقالته من منصبه.

ومنذئذ والملف في وضعية جمود، فالمغرب يرفض الإستفتاء الذي كان يطالب به فيما مضى. ولا يقدم القصر الملكي أي بديل ذي مصداقية. وقد فسر، ذات يوم، الرجل الثاني في ديبلوماسية المملكة ذلك بقول ه:"إننا لا نريد أن نكون سجناء الكلام الذي نطلقه".

و من جهتها، تبقى فرنسا، أكثر من أي وقت مضى، محامي المملكة. وفي أثناء آخر زيارة رسمية للمملكة، في خريف 2003، لم يستعمل جاك شيراك، حقا، الكلمة المغربية التي تتحدث عن "أقاليم الجنوب" بخصوص الصحراء، مثلما فعل ذلك في2001. لكنه جدد التأكيد على أن فرنسا "تدعم وستدعم" المغرب في ملف الصحراء الغربية.

ومن شكك في ذلك؟

تأليف جون- بيير تيكوا

منشورات "ألبان ميشال "، باريس 2006

من صفحة 91 إلى صفحة 100.

 



الحق والرشاش إن نطقا معًاعَنَتِ الوجوهُ وخرَّتِ الأصنامُ ...

✍ الشاعر الجزائري مفدي زكريا

نطقَ الرصاصُ فما يُباح كلامُ
وجرى القصاص فما يُتاح مَلامُ

وقضى الزمان فلا مَرَدَّ لحُكمِه
وجرى القضاء وتمَّتِ الأحكامُ

السيفُ أصدقُ لهجةً من أحرفٍ
كُتِبَت فكان بيانها الإبهام

والنارُ أصدقُ حُجَّة فاكتب بها
ما شئت تُصعَقُ عِندها الأحلامُ

إنّ الصحائفَ للصفائح أمرها
والحربُ حربٌ والكلام كلام

عِز -المكاتِب-في الحياةِ -كتائبٌ
زحفت كأنَّ جنودها الأعلام

خير المحافِل في الزمان جحافلٌ
رفعت على وحداتها الأعلام

لغة القنابل في البيان فصيحةٌ
وضِعَت لمن في مسمعيه صمام

ولوافح النيران خيرُ لوائحٍ
رُفِعَت لمن في ناظريه رُكام

وروائح البارود مسك نوافِحٍ
سجَرت لمن في مِنخريه زكام

والحق والرشاش إن نطقا معًا
عَنَتِ الوجوهُ وخرَّتِ الأصنامُ