رجلان عظيمان رغبا في الشهادة.
![]() |
| إضافة تسمية توضيحية |
ولا نستطيع أن
ننسى في هذا التلخيص أن السلطان العثماني سليم شاه أيـّد النشاط البحري
للأخوين معنوياً ومادياً، فلا مجال للتقول بأن نشاط الأخوين هو قرصنة.
للأعداء أن يقولوا ما يشاءون من أقاويل التشويه، أما أن نسايرهم نحن في
افتراءاتهم فهذا عجيب!
يحكي خير الدين
كيف أخرجت أسبانيا مراكبها للبحث عن مراكب الأخوين، وكيف سقط في المعارك
البحرية وأمام قلعة “بجاية” في الجزائر المئات من الشهداء، لكن الأعداء
عرفوا أيضاً كيف أن هذه القوة المجاهدة المتطوعة لديها فوق الشجاعة مهارة
القتال والتخطيط. ولديها صمود ورغبة في الاستشهاد أحدثت فارقاً في كل
مواجهة. وفقد “عروج” إحدى ذراعيه في مقدمة رجاله، لكن ذلك لن يؤخره عن
التقدم نحو أمنيته التي لم تبارح فكره؛ الشهادة!
ما
إن تعافى عروج حتى خرج الأخوان مع بحريتهما تجاه سواحل الأندلس، وكانت
إلإمارة الأخيرة “غرناطة” قد سقطت في يد الإسبان، والمسلمون هناك واقعون
تحت خطر محاكم التفتيش، الذي يعني الارتداد أو القتل والحرق والتعذيب؛ فجعل
الأخوان قدراً من نشاطهما لإنقاذ هؤلاء البؤساء، بل وتسكينهم في المدن
الإفريقية.
ويحكي خير الدين أيضاً كيف
ذهبا لزيارة مسقط الرأس جزيرة “ميديللي” وكيف طرأ على عروج إحدى هذه
الخواطر التي تراود المجاهد؛ أن يستريح هناك ويتزوج، لكنه رأى في المنام من
يبشره بالكثير من الغزو والعز والشرف، فاستكملا نشاطهما البحري مصطحبين
معهما المئات من الشباب المتطوعين الذين عرفوا بهذا النشاط، وازدادت القوة
بمزيد من السفن المعادية التي وقعت في الأسر، وبالسفن التي أرسلها السلطان
العثماني.
وقبل الاتجاه إلى “سبتة” لإنقاذ المزيد من مسلمي الأندلس تصل للأخوين رسالة خطيرة، حملها وفد من مدينة “بجاية” الجزائرية، جاء فيها:
“إن كان ثمـّة مغيث فليكن منكم أيها المجاهدون الأبطال. لقد صرنا لا نستطيع أداء الصلاة أو تعليم أطفالنا القرآن الكريم لما نلقاه من ظلم الإسبان. فها نحن نضع أمرنا بين أيديكم. جعلكم الله سبباً لخلاصنا بتسليمه إيانا إليكم، فتفضلوا بتشريف بلدنا وعجلوا بتخليصنا من هؤلاء الكفار”.
“إن كان ثمـّة مغيث فليكن منكم أيها المجاهدون الأبطال. لقد صرنا لا نستطيع أداء الصلاة أو تعليم أطفالنا القرآن الكريم لما نلقاه من ظلم الإسبان. فها نحن نضع أمرنا بين أيديكم. جعلكم الله سبباً لخلاصنا بتسليمه إيانا إليكم، فتفضلوا بتشريف بلدنا وعجلوا بتخليصنا من هؤلاء الكفار”.
لم
تكن الرسالة وحدها هي التي ستحدد اتجاه الأخوين للجزائر، لكن أمراً آخر
يدعو للأسى –وإن كان لا يفاجئ قارئ التاريخ- يذكره خير الدين في مذكراته،
وهو تغير نفس سلطان تونس على الأخوين؛ لما رآه من تبجيل السلطان العثماني
وهداياه لهذين المجاهدين المتجردين، وخشي أن يوليهما على تونس.
لكنه تنبأ –وربما أراد- أن يستكملا صعودهما بطريقة مختلفة؛ فقال لخير الدين: إن طريقك وطريق أخيك عرّوج سينتهي إلى القيادة العامة لبحرية الدولة العثمانية؛ فهنيئاً لكما بذلك.
لكنه تنبأ –وربما أراد- أن يستكملا صعودهما بطريقة مختلفة؛ فقال لخير الدين: إن طريقك وطريق أخيك عرّوج سينتهي إلى القيادة العامة لبحرية الدولة العثمانية؛ فهنيئاً لكما بذلك.
في
ألفين وثلاثة وثلاثين بحاراً اتجه المجاهدان لميناء بجاية الجزائرية، في
عشر سفن، ومائة وخمسين مدفعاً، وآلاف الأسرى الذين يقومون بالتجديف. وبعد
معركة مع الإسبان المتحصنين بقلعة بجاية تم قتل أكثرهم، ثم جاء عشرون ألفاً
من عرب البوادي لمساعدة المجاهدين، وسنعلم في المستقبل أن هؤلاء هم سلاح
ذو حدين! بالإضافة لعدم كفاءتهم الحربية.
ولم
يكن مع المجاهدين المدفعية المخصصة لقصف الحصون فلم يتمكنوا من اقتحام
قلعة بجاية، لكنهم علموا بأن قوة إسبانية كبيرة جاءت لإنقاذ القلعة؛
فاتخذوا قرارهم بترك بجاية مؤقتاً، ثم كمنوا لهؤلاء القادمين في “جيجل”
وكانوا على متن عشر سفن ومشحونة بالأسلحة والمعدات العسكرية، وهنا قال
عروج: هذه نعمة ساقها الله لنا.
وصدرت
التوجيهات بالاشتباك معهم، وكعادة الأخوين في أغلب المعارك البحرية تمكنا
من إفناء الإسبان، ولم يبق منهم إلا عشرات تم أسرهم. لكن هذا الانتصار ليس
إلا مقدمة لما هو آت.
نشر المجاهدون
الرايات الصليبية على السفن الأسيرة، وأمر خير الدين خمسمائة بحار بالكمون
فيها، واتجهوا نحو بجاية، وعندما رأى من في القلعة الرايات ظنوا أن إخوانهم
في الدين جاءوا للنجدة، فلوحوا بقبعاتهم تعبيرا عن سرورهم. يقول خير الدين
في مذكراته: وهكذا دنونا من القلعة الغارقة في فرحها الكاذب!
فتح
الإسبان أبواب القلعة، وتدفقوا على قصورهم الساحلية لاستقبال النجدة
الموهومة، وفجأة أمر خير الدين بحارته الكامنين بالهجوم، ولما سمع الإسبان
تهليلهم اضطربت صفوفهم، وولوا منهزمين. وبذلك فـُتحت قلعة بجاية، بينما
تعالت صيحات الإسبان صارخين بعبارة “ماينا سينيور” طالبين الأمان!
بعد فتح القلعة جاء شيوخ وقواد المناطق المجاورة لبجاية مبايعين. يقول خير الدين: ومن هنا انتصبت أنا وأخي ملـِكـَين على هذه البلاد.
ولا
يجب أن يتبادر إلى الذهن أن عهداً من الراحة مقبل على هذين البطلين،
فالجزائر بلاد واسعة، وفيها كثير من التأييد، وفيها كثير من الفتن. والقلوب
تتقلب، وجماهير غفيرة من الناس أتباع لبعض الناعقين، وعدد من المسموع
كلامهم في هذه البلاد لا يدركون الظروف الدقيقة للمسلمين، والتي يمكن معها
أن تتحول الانتصارات إلى هزائم بسهولة!
وإذا
عرفت أيها القارئ الكريم أن خير الدين عاش حتى الثمانين أدركت أن الحديث
موصول بإذن الله، وإني لمستمتع بأن أعيش بذهني في تلك الفترة مع هؤلاء
الكرام، أركب معهم سفنهم، وأرصد سفن الأعداء، وأضرب بسلاحي هامات الكافرين،
وأمد يد العون لأبناء عقيدتي، وأواسيهم بما أستطبع. وها أنا مع الأخوين
بارباروسا نحتال لتخليص بلاد الجزائر من ظلم الإسبان. نعم أنا في متاع في
قلب هذه الأحداث، وعسى أن تكون كذلك!

0 التعليقات:
إرسال تعليق