إلى فلسطين سيراً على الأقدام : صورة من جهاد الجزائريين في فلسطين سنة 1948م
  فلسطين في القلب الجزائري

 عندما كان والدي ـ يرحمه الله ـ يتابع نشرات الأخبار عن قضية الشرق الأوسط ولاسيما خلال الأعوام 1967م، و1973م، و1982م··· كنا نراه يتنفض قهراً ويردد مغتاظاً العبارة التالية:
 >لقد قاتلنا اليهود في فلسطين بصدق وبشجاعة وببطولة نادرة العام 1948م، ولولا الخيانة لما استطاع اليهود هزيمتنا، لقد كنا نهاجمهم ليلاً في حصونهم، وفي الصباح نذهب لاستطلاع مواقعهم فنجدهم صرعى ومربوطين بالسلاسل خوفاً من الفرار ومن حرارة اللقاء··· في >سمخ< و>طبرية< و>صفد<··· وفي سهل >الحولة< بالقرب من بحيرة >طبرية<، وأخيراً في >الناقورة< و>بنت جبيل< و>الخيام< و>المطلة<··· التي جرحت فيها بشظية، واستشهد بالقرب مني النقيب الشامي >أنور القدسي< ـ يرحمه الله ـ آمر فوج المغاربة<·
 وفي هذه الصفحات المختصرة تلخيص لمشهد من مشاهد الجهاد الجزائري في فلسطين العام 1948م، نقلته عن والدي >محمود بن علي عيساوي التبسي الجزائري< ـ يرحمه الله ـ وعن صديقه المجاهد الصادق >قصري< الشهير بـ>عبدالحفيظ التبسي الجزائري<، رئيس فوج الجزائريين في فلسطين، وصديقه >صالح مناح التبسي< الجزائري الذي سمعته يتكلم عن جهاده في فلسطين أيضاً·
 وكان فوج المغاربة >المغرب ـ الجزائر ـ تونس ـ ليبيا< مكوناً من نحو مئتي عنصر، تجمعوا في معسكر >الملك فاروق< في قرية >السلوم< المصرية تحت إمرة الجامعة العربية· وقد أرفقت المقال بما بقي لديهم من وثائق وأرشيف ونياشين وأوسمة بقيت مدسوسة تحت التراب في أثناء الاحتلال الفرنسي، مع بعض الصور الفوتوغرافية القديمة لهم·
 وقد آثرت أن تنشر هذه المذكرات المختصرة في >مجلة الوعي الإسلامي< الغراء، التي لها الفضل العظيم في التعريف بقضية فلسطين وتبنيها لها خلال مسيرتها الأربعينية·
 وقد تسنَّى لي جمع بعض الوثائق والصور الفوتوغرافية وبعض الأوسمة والنياشين الموجودة عند والدي، وصديقيه >عبدالحفيظ قصري<، و>صالح مناح< يرحمهم الله·
 أخبرني والدي وصديقه >عبدالحفيظ قصري< بالأحداث كما يلي:
 دوافع جهاد الجزائريين
 يمكن تلخيص الدوافع الحقيقية التي دفعت الجزائريين للجهاد في فلسطين بالعناصر التالية:
 1 ـ مناخ القهر الاستعماري المسلط على الشعب الجزائري الذي فرضته قوانين الردع الزجري الاستعمارية·
 2 ـ نشاط الحركة الصهيونية العالمية المكثف بين يهود الجزائر، وحضها على مساعدة اليهود في فلسطين لإقامة كيانهم التوراتي·
 3 ـ الشعور القومي المتنامي لدى الجزائريين تجاه إخوانهم في المشرق العربي بعامة ولفلسطين بخاصة·
 4 ـ الشعور الديني لدى الجزائريين بأهمية القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين·
 5 ـ حملات التوعية والتعبئة التي كان يقوم بها مناضلو حزب الشعب الجزائري ذي النزعة الاستقلالية التحررية والتوجه العربي الإسلامي بين صفوف الشعب الجزائري·
 6 ـ حملات التوعية والتعبئة المعنوية والدينية التي كانت تقوم بها >جمعية العلماء المسلمين الجزائريين<، ولا سيما الشيخان >محمد البشير الإبراهيمي ت 1965م<، و>العربي التبسي ت 1957م< رئيسا الجمعية، بخطبهما ودروسهما ومقالاتهما الحماسية في جريدة >البصائر< الأسبوعية الناطقة باسمهما·
 7 ـ اكتشاف فرنسا لخلايا التنظيم السري للمنظمة السرية للوحدة والعمل الجزائرية الجناح العسكري لحزب الشعب الجزائري أواخر العام 1947م، الذي كان والدي وأصدقاؤه من النشطاء فيها، وملاحقتها لهم· 8 ـ يأس الجزائريين من وعود الاستعمار، بعد مشاركتهم الفاعلة في الحرب العالمية الثانية للدفاع عن فرنسا وحصدها لآلاف الجزائريين المحتفلين بعيد الانتصار على الدكتاتوريات وانتصار الديموقراطية يوم الثامن من مايو 1945م قتلاً وتنكيلاً·
 9 ـ حال الفراغ واليأس التي كان عليها الشعب الجزائري ولا سيما فئة الشباب منهم· 01 ـ محبة الجزائريين لإخوانهم في المشرق العربي، ورغبتهم الأكيدة في التعبير عن مشاركتهم لهم في الخطوب والملمات·
 الخروج من >تبسة< ليلاً
 لما اندلعت الحرب في فلسطين العام 1948م، بدأت تتوارد الأخبار إلى الجزائر عبر الصحف والإذاعات عن وحشية اليهود، وبطشهم بسكانها العرب الفلسطينيين، وتنكيلهم بالقرى العربية الفلسطينية الآمنة·· انطلقت الأصوات الجزائرية الحرة عالية من قادة ومناضلي حزب الشعب الجزائري ومن شيوخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في المهرجانات الشعبية وفي المجالس الخاصة وفي المساجد وفي الصحف الحزبية بضرورة مؤازرة إخواننا العرب المستضعفين في فلسطين، وأفتى يومها الشيخ الجليل عالم القطر الجزائري وفقيهه العربي >التبسي الزيتوني الأزهري< بوجوب الجهاد في فلسطين على كل جزائري وجزائرية، لأن من واجبات جميع المسلمين الدفاع عن أرض المسلمين كلها، وحيثما وجد مسلمون مستضعفون وجب النهوض للجهاد والدفاع عنهم ونصرتهم·
 وبتلقائية قومية منقطعة النظير، وبحماس ديني لنصرة القدس الشريف، اجتمع ليلة السابع عشر من شهر مايو 1948م، ثلة من الشباب >التبسي< الجزائري الثائر في ضاحية من ضواحي مدينة >تبسة< الجبلية الوعرة، ووقف فيهم قائدهم الشاب >عبدالحفيظ قصري< يقرأ عليهم فتوى الشيخ >العربي التبسي< بإلزامية وجوب الجهاد في فلسطين، وبوجوب نصرة أهلها، وليلتها تعاهد أولئك الفتية على الجهاد في سبيل الله والذهاب إلى فلسطين ولو سيراً على الأقدام·
 ومن دون احتفالات التوديع وبهارج الزينة، وحرارة وداع الأهل والأصحاب، وكذلك من دون أي وسائل مادية، ولا وسائط نقل بدائية، أو حديثة، انطلق أولئك الشباب المؤمن ليلاً عبر الدروب الوعرة باتجاه الحدود التونسية التي كانوا يعرفونها جيداً أيام جنديتهم مع فرنسا في الحرب العالمية الثانية، يكمنون في النهار، ويسيرون في الليل، حذرين من مراكز المراقبة الاستعمارية، ومن عيون فرنسا وجواسيسها الخونة، ومن نشاط الحركة الصهيونية الكثيف لمراقبة المتطوعين العرب باتجاه فلسطين، ومع حذرهم المفرط وقع بعضهم في قبضة الإدارة الاستعمارية في الحدود التونسية ـ وحكوموا بتهمة اجتياز الحدود من غير رخص ووثائق رسمية، ووضعوا في السجن ولك يطلق سراحهم حتى العام 1950م ـ واعتقلوا حيث وشت بهم عين جزائرية مأجورة، وأمام هذا الحدث الخطير، قررت الجماعة السير جنوباً باتجاه الصحراء عبر الحدود التونسية الجزائرية إلى منطقة >شط الجريد< بعيداً عن أعين المراقبة الاستعمارية من جهة، وضماناً لخط السلامة الآمن إلى فلسطين·
 ليلة في >شط الجريد<
 تقرر السير جنوباً باتجاه الصحراء لضعف الرقابة الاستعمارية من جهة، ولصعوبة تنقل الآليات العسكرية الاستعمارية لعمليات المتابعة والملاحقة فيها من جهة ثانية، ولشهامة قبائل الصحراء ولا سيما اتباع الطريقة >السنوسية< وتقديرهم للجهاد وحماية المجاهدين العرب المتجهين إلى فلسطين من جهة أخرى، وفي ليلة الحادي والعشرين من مايو، قرروا قطع >شط الجريد الملحي<، الذي سيفضي بهم مباشرة إلى الحدود الليبية جنوباً، وساروا ليلتهم القمرية تلك مسرعين تارة، وسابحين تارة أخرى، ومتدافعين تارة ثالثة· يخبون السير أحياناً، ويرملون أحياناً أخرى، ويعومون في الماء المالح تارة أخرى، ويقفزون عبر الماء المالح وصخور الملح تارة بحسب سماكة وكثافة الملح والماء، مجابهين شدة الملوحة بأجسادهم الندية·
 وقد اعترضتهم في تلك الليلة المقمرة ملاحقة الطائرات الاستطلاعية الفرنسية التي كانت تبحث عنهم، مما اضطرهم بعض الأحيان إلى الغطس والاختفاء في الماء المالح، وفي الجيوب المائية الغائرة، التي كادت تودي بحياتهم لولا فضل الله ومهارتهم في السباحة، وما كاد الفجر يبزغ حتى وصلوا إلى شاطئ الأمان وأجسادهم مخضرة بعد أن أكلتها أملاح الشط· وما أن وصلوا إلى شاطئ >الجريد< الآمن حتى أووا إلى كهف ملحي في سلسلة جبلية كلسية جافة كانوا يعرفونها أيام انسحاب الألمان من ليبيا وتوزيعها السلاح على الجزائريين الذين عملوا معها أواخر العام 1943م، وناموا يومين وليلتين جراء الإعياء وحروق الملح· وتقرر الجماعة أن يبحثوا عن دليل يوصلهم عبر الشريط الصحراوي جنوباً إلى مدينة >مرسى مطروح< أو >السلوم<، وانتخب لهذه المهمة والدي الذي كان يحمل مسدساً ألمانياً من بين سائر أفراد المجموعة احتفظ به منذ أيام الحرب العالمية الثانية، واتجه إلى مضارب البدو، وهناك اتفق مع دليل ليوصلهم عبر الخط الداخلي مقابل أن يمنحه مبلغاً مغرياً من المال ادَّعى أنه موجود عند أصدقائه، بالإضافة إلى المسدس الألماني ذي المقبض البني أيضاً، وطلب الدليل مهلة إلى الغد ولكن والدي عاجله بطلب الذهاب معه للتو خشية أن يغريه طمعه فيشي بهم إلى الإدارة الاستعمارية مقابل دراهم معدودة، ولتمرسه في عيون وجواسيس الاستعمار·
 خدعة الدليل ومواجهة الموت
 التحق والدي بالجماعة ومعه الدليل وبعيره المحمَّل بقرب الماء وبالتمر والخبز البدوي، وانطلقوا ليلة الثامن والعشرين من شهر مايو 1948م يقودهم الدليل يسيرون ليلاً ويكمنون نهاراً، لا يتكلمون ولا ينبسون ببنت شفة في ليل الصحراء الصامت الذي ربما تفضحهم مناجاة أي أحد منهم لأخيه، مكتفين بالإشارات والإيماءات والحركات، واجتازوا الصحراء الليبية بعيدين عن المدن والقرى والتجمعات السكانية عبر الخط الصحراوي الداخلي، الذي كان يرتاده العرب قديماً للوصول إلى مصر والشرق والحجاز، وبعد طول عناء دام سبعة عشر يوماً وليلة، إذ يفاجئهم الدليل بأن الطريق مازال بعيداً، وأنه قد نسي آثار الطريق القديمة، بعد أن نفد منهم الماء والزاد ونال منهم العناء والضجر، وبينما الجماعة منشغلة في حمأة الحوار بعد كذب الدليل، وبينما هم في مناجاة خفيفة حول ما استجد لهم، انسل الدليل من وسطهم هارباً، وتناهى في أثنائها إلى سمعهم تقطعات أصوات غائرة لنباح كلاب أو عواء ذئاب لم يستطيعوا تفسيرها وتحديدها بدقة وكان الدليل قد وصل بهم فعلاً إلى جنوب مدينة >مرسى مطروح< المصرية ـ واتجه نحو مناخ البعير ليأخذه، وهناك قبض عليه والدي بعد أن هدده بأن يطلق عليه النار ويرديه قتيلاً فعاد مسرعاً، وهناك انتحى به والدي جانباً وقال له: >اعلم بأني سأقتلك رمياً بالرصاص أمام الجماعة، ثم نواجه مصيرنا لوحدنا بعد أن نكون قد تخلصنا منك، وعلى كل حال فنحن خارجون لفلسطين للموت في سبيل الله، فإن متنا اليوم فنحن شهداء في فلسطين وفي سبيل الله<، ولما أحس جدية كلام والدي قال له: >أنا أيضاً عربي ومسلم مثلكم، وأحب فلسطين، ولن أغرر بمسلمين عرب مثلي<، ولكنه ـ وللأسف ـ قال هذا الكلام بعد أن أذعن لصوت السلاح، فأوصلهم إلى مضارب بدو ليبيين فأكرموهم وأحسنوا وفادتهم، وعندها سلَّم والدي مسدسه الألماني للدليل ثمناً لرحلته الدؤوبة معهم، التي قاربت العشرين ليلة، وقال له هذا هو ثمنك ولا نملك غيره·
 وبعد انصراف الدليل بقليل، داهمت القوات البريطانية مضارب البدو وأخذت أفراد الجماعة أسرى إلى معسكر بريطاني بالقرب من الحدود الليبية المصرية، وفي المعسكر البريطاني طالتهم حملة التحقيق والتعذيب لمعرفة مقصدهم، ولكن الفتية أصروا على أنهم جاؤوا حاجين إلى بيت الله الحرام، وطلب العلم في الجامع الأزهر، ولكن الإدارة الاستعمارية البريطانية تحفظت عليهم تمهيداً لتسليمهم إلى الإدارة الاستعمارية الفرنسية·
 وبعد إقامة أيام في المعسكر البريطاني في >السلوم< قرر والدي واثنان من صحبه الهرب من المعسكر باتجاه الحدود المصرية لأنهم سمعوا من بعض المساجين أن من فر إلى الأرض المصرية ودخل ثكنة >الملك فاروق< في >مرسى مطروح< لا تطاله القبضة الاستعمارية، وتشاء الإرادة الإلهية أن يفر والدي وصديقاه >عبدالحفيظ قصري< و>صالح مناح< في شاحنات القمامة والنفايات ويلتحقون بمضارب >أولاد علي< الليبيين الذين أوصلوهم إلى مضارب >أولاد علي< المصريين، ومنها إلى ثكنة الملك >فاروق< في >مرسى مطروح<·
 شهر في ثكنة الملك >فاروق< في >مرسى مطروح<
 ومعسكر الملك >فاروق< في الأصل ثكنة إنجليزية بُنيت خلال الحرب العالمية الثانية في منطقة صخرية صلدة صحراوية، خصصتها جامعة الدول العربية كمعسكر لاستقبال المتطوعين المغاربة إلى فلسطين، وفيه أقاموا شهراً يتدربون على السلاح وفنون القتال، وترديد ولاء الطاعة للملك >فاروق<، ومن طريف ما جرى لهم في ذلك المعسكر، أنهم أرادوا الخروج إلى المدينة لشراء بعض اللوازم الشخصية بعد أن منحوهم أجراً شهرياً قيمته جنيهين مصريين، وبعد أن زارهم أمين عام جامعة الدول العربية >عبدالرحمن عزام< في المعسكر، وطلبوا من شاويش المناوبة أن يسمح لهم بالخروج لشراء بعد اللوازم المصرية والإفطار قبل الموعد، فقال لهم عبارة مازالت ترن في آذانهم إلى اليوم >لن تفطروا حتى تعطوا حق صاحبها<، واحتار والدي وصاحباه في العبارة، وانتظروا دقائق كعادتهم، واصطفوا قبل الوجبة إلى أن نادى كعادته قائد المعسكر في كتيبة المتطوعين المغاربة: >عاش الملك فاروق·· عاشت مصر···< ثلاث مرات، وساعتها التفت إليهم الشاويش وقال لهم: >بإمكانكم تناول الطعام الآن لقد أعطيتم حق صاحبها<·
 وفي المعسكر اشتبه المصريون في هوية أحد المتطوعين الجزائريين القادم من مدينة >البليدة< الجزائرية المدعو >بن قربان علي< لضعف لغته العربية ولون شعره الأشقر وبياض بشرته، وإحمرار خديه، وغلبة الفرنسية على لسانه، وظنوا أنه جاسوس يهودي من يهود الجزائر جاء لتتبع أحوال المجاهدين المغاربة في فلسطين، ورفضت قيادة المعسكر أن يبقى في صفوف المتطوعين حتى يختبره الشيخ >عبدالحفيظ قصري<، وقد اختبره بما يحفظ من القرآن الكريم وقواعد الفقه الإسلامي وتوضأ وصلى أمامه، وراقبه أياماً معدودة عن كثب، وضمنه شخصياً مطمئناً إدارة المعسكر بعروبته وإسلامه وصفاء غايته الجهادية ـ وقد عاد مع صاحبي والدي العام 1949م بعد أن جاهد في فلسطين، وشارك في ثورة التحرير الجزائرية، واستشهد العام 1958 بالقرب من مدينة >البليدة<، وفي مدينة >البليدة< مسقط رأسه هناك شارع يحمل اسمه ـ ثم سار معهم إلى فلسطين وقاتل في سبيل الله·
 وفي أواخر شهر يونيو من العام 1948م وبعد الهدنة الأولى، وصل عدد المتطوعين المغاربة إلى مئتي عنصر تقريباً في ثكنة الملك فاروق بمرسى مطروح، وتقرر رحيلنا إلى فلسطين عبر ميناء >الإسكندرية< باتجاه لبنان بعد أن زارنا أمين عام جامعة الدول العربية >عبدالرحمن عزام< برفقة عضوين من مكتب المغرب العربي المعتمدين في القاهرة >الشاذلي المكي، والعربي طوقان< يرحمهما الله، وألقى فينا خطبة حماسية حضنا فيها على الجهاد في سبيل الله والدفاع عن الحق العربي والإسلامي المغتصب، وأكد علينا انتحال هوية حجاج بيت الله الحرام في اعتراض سفن هيئة الأمم المتحدة من المراقبين الدوليين أو غيرها لنا في البحر·
 ولإتمام عملية التمويه فقد ألبسونا لباس الحجاج المغاربة، وانطلقت بنا السفينة التركية القديمة باتجاه ميناء >صيدا< اللبناني، وكادت أن تغرق بنا لولا لطف الله·
 ويروي والدي أن السفينة التركية رست بهم بعد ثلاث ليال من الإبحار ووقفت بعيداً عن الميناء في أوائل شهر يوليو العام 1948م ونزلت بنا القوارب الصغيرة إلى حافة نهر، وأخفونا في بساتين الموز التي التهمنا نصفها من شدة الجوع والحرمان حتى أدخلوا الكثير منا إلى مستشفى بلدة >الخيام< بسبب الاضطرابات المعوية، ووضعنا تحت إمرة القائد العربي السوري المرحوم >فوزي القاوقجي<، وفي سرية المغاربة تحت إمرة النقيب الشامي >أنور القدسي<، ومعاونه الضابط >غياث الدين أحمد الملا<·
 فوج المغاربة في مواجهة عصابات >الهاغانا<
 يروي والدي وصديقه أنهم بعد خلعهم لباس الحجاج ارتدوا بذلات جيش الإنقاذ العربي، وسلحوا ببنادق ورشاشات قديمة من صنع تركي وإيطالي وألماني وفرنسي، يعود تاريخ صنع معظمها إلى الحرب العالمية الأولى، كالبندقية الفرنسية الـ>63< التي كانت أشهر ما نمتلكه من سلاح فردي·
 ولم يكن مع فوج المغاربة سوى بضع مدافع >الهاون< القديمة الصنع، وبعض الرشاشات الثقيلة والخفيفة، ومضادين اثنين ضد الدروع، وكانت الذخيرة قليلة جداً ومقننة، وصدرت إلينا الأوامر ألا نستعملها إلا عند الحاجة ومقابل عشر طلقات من اليهود نطلق واحدة أو اثنتين نظراً لقلة الذخائر، كما أنه يجب علينا ألا نبدأ بالرد عليهم عشوائياً، فأول من يبدأ هم أمهر الرماة، وإذا حمي وطيس المعركة فليكن الرد مقنناً ومضبوطاً ومن غير تبذير للذخيرة، وهو ما أفاد اليهود كثيراً ومنحهم ميزة غطت جبنهم وخوفهم من الموت، ولا سيما من أفواج المتطوعين العرب دون الجيوش النظامية·
 يروي والدي أن الأوامر جاءت من القيادة العليا لجيش الإنقاذ العربي إلى فوج المغاربة >الفوج التاسع< بضرورة التحرك والتوجه إلى الجبهة اللبنانية الجنوبية في >الخيام< والمطلة وبنت جبيل< لأن عصابات >الهاغانا< كانت قد كثفت نشاطها هناك ضد الفلسطينيين الفارين وضد اللبنانيين، ووفرت مجموعة من الحافلات >الباصات< القديمة لنقل الفوج بأسلحته، لأن الجيوش العربية يومها لم تكن تمتلك العدد الكافي من الشاحنات العسكرية، فضلاً عن مدرعات نقل الجنود والذخائر·
 ويروي والدي أنهم لم تعجبهم طريقة نقلهم إلى أرضي المعركة، وعبَّروا عن رأيهم في طريقة حملهم إلى أرض المعركة إلى النقيب المرحوم الشهيد >أنور القدسي<، ولكنه أخبرهم بأن القيادة هي التي تحدد له طريقة النقل وليس هو، واقتضت الخطة أن يركب أفراد الفوج في الحافلات مع أسلحتهم الفردية من غير ذخيرة، وأن توضع صناديق الذخيرة والأسلحة غير الفردية >الرشاشات والهاونات ومضادات الدروع< فوق حمالات الحافلات، والخطة كلها قائمة على السذاجة وعدم التمرس في شؤون القتال، إذ تفقد المقاتلين حرية المناورة والحركة، وتضعهم صيداً سهلاً في يد أصغر الدوريات أو الكمائن وهو ما حصل بالفعل·
 يروي والدي أنهم في أثناء سيرهم ليلاً باتجاه الجنوب اعترضت سبيل القافلة دراجتان عسكريتان تحملان زي جيش الإنقاذ العربي وطلبا بالإشارة الضوئية من قائد القافلة أن يسير بها خلفهما، وبعد مسافة بضعة كيلو مترات انطلقت الدراجتان بسرعة البرق وتوارتا عن أنظار أول حافلة، وفجأة بدأت القذائف والنيران تحيط بالقافلة حتى أصابت بعضها، وتوقفت وتصايح الرجال بلهجاتهم المغربية نحو الحمالات يلقون بصناديق الذخيرة والأسلحة الثقيلة، وتحلّق والدي حول القائد >أنور القدسي< وبدأ يطلق أول قذيفة >هاون< عربية باتجاه اليهود، وتخندق الرجال في وضعية القتال مفسحين المجال لمؤخرة القافلة للانسحاب، واستمر القتال شديداً وسقطت بالقرب من موقع والدي قذيفة أودت بحياة قائد الفوج النقيب >أنور القدسي< ـ يرحمه الله ـ، وجرح على إثرها والدي في رأسه وأودع مستشفى >الخيام< مدة يومين، واستمر القتال ليلاً وفر اليهود وتبعهم المجاهدون·
 وتبين فيما بعد أن الدارجين المجهولين لم يكونا إلا جزءاً من مؤامرة مدبرة للقضاء على فوج المغاربة الذي كان يخشاه اليهود، وقد أعدت له تلك الخطة الكيدية خصيصاً·
 ومن معركة إلى أخرى في سهل >الحولة< بين >صفد< و>سمخ< و>طبرية< كنا نهاجم اليهود، في حصونهم ليلاً، ونذهب مع مطلع الفجر لنراهم مربوطين مع بعضهم بعضاً في السلاسل خشية الموت، وخشية حرارة اللقاء·
 يروي والدي أنهم قضوا ما تبقى من صيف 1948م وعام 1949م بين شمال فلسطين وفي سهل >الحولة<، ثم في >القنيطرة< يردون هجمات اليهود الليلية ويحرسون الحدود السورية، فيما عاد أصحاب والدي أواخر العام 1949م ليلاقوا مصيرهم المحتوم من قبل الإدارة الاستعمارية الفرنسية·
 البقاء في سورية والعودة إلى الجزائر
 وقرر والدي المطلوب من الإدارة الاستعمارية البقاء في سورية والانضمام إلى الجيش العربي السوري، والعيش والزواج بفتاه سورية، إلى أن تقاعد من الجيش العربي العام 1963م، ليعود إلى وطنه الجزائر مع أبنائه العام 1963م، بعد أن أكرمته الحكومة السورية بمنحها له مرتب تقاعده دفعة واحدة حتى العام 1969، لينضم إلى الجيش الجزائري من جديد، وليعود من جديد إلى موطن شبابه وجهاده سورية العام 1970م ليغادرها نهائياً مع أبنائه العام 1975م إلى الجزائر ثانية·
 ليرحم الله جميع الشهداء وليتغمدهم برحمته الواسعة··· والله على ما نقول شهيد· 
 بقلم الكاتب:   أ·د·أحمد عيساوي ـ جامعة باتنة ـ الجزائر

0 التعليقات:

إرسال تعليق