#الجزائر ارض الاسلام ... تاريخ على مدى ثلاثة آلاف سنة 



"الجزائر أرض الإسلام قد أعطت كذلك للإنسانية الأمير عبد القادر الذي أنقذ في زمنه حياة ألاف المسيحيين خلال منفاه في دمشق، وكان أول من وضع قواعد القانون الدولي الإنساني حسب شهادة الرئيس الحالي للجنة الدولية للصليب الأحمر." (مساهل)

الجزائري بمغربيين … أو قصة صفعة بومدين للحسن الثاني

 

 في هذه الأيام الصعبة عادت أمغالا الصحراوية التاريخية التي يحتلّها الجيش المغربي إلى واجهة الإعلام الدولي، ولكن للأسف الشديد جاء في إطار مسلسل تفكيك “الخلايا الإرهابية” الذي دأب عليه المغرب منذ سنوات، وبالرغم من أن عددها تجاوز حدود المعقول والممكن، إلا أنه لم نشهد ما يفيد بوجود مخطط فعلي لاستهداف المملكة المغربية.

آخر ما حدث هو إعلان وزارة الداخلية المغربية عن تفكيك ما وصفته بخلية إرهابية مدججة بأسلحة ورشاشات وقذائف وذخائر بمختلف الأنواع وذلك يوم الثلاثاء 04 جانفي2011، وفي منطقة أثارت نقاط ظل وتناقضات مختلفة، وعادت بنا إلى الغوص في أعماق الأمس البعيد.

أمغالا تحمل في جعبتها الكثير من المحطات والأحداث البارزة، وخاصة في تاريخ كفاح الشعب الصحراوي ضد الاحتلال الأجنبي. نفتح أوراق أحد الملاحم التاريخية التي لم يسبق التحدث عنها مطلقا وطالها الصمت وحتى النسيان، نأتي على ذلك في خضمّ تصدّر أمغالا للواجهة الإعلامية وفي صورة مشوبة بالشكوك والقناعات المضادة، والتي تشير في مجملها إلى أن الأمر مجرد مسرحية دعائية عابرة، تدخل في إطار الأجندة المغربية التي تستهدف أساسا جبهة البوليساريو من أجل تحويلها لدى المجموعة الدولية إلى مجرد “منظمة إرهابية” لديها علاقات مفترضة مع ما يسمى “تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي“، وهو الذي فشلت فيه الترسانة الدعائية المغربية عبر تقاريرها الصحفية المكثفة التي لم تقدم أدنى ملموس ممكن أن يعتمد عليه أو حتى يضع الجبهة تحت طائلة أدنى الشبهات.

..... ..... .....
وقبل أن نخوض في جوانب أمغالا “الثالثة” كما وصفها البعض ممن يقدمون أنفسهم ككتّاب وصحفيين وأصحاب الباع الواسع في التحليل السياسي والأمني، نرى من الضروري أن نكشف واقع ما جرى في أمغالا الأولى والأخرى الثانية في عام 1976. فالمتوفر الآن هو رواية مغربية مكتوبة ومؤرخة على مقاس المخزن، ولا تزال الحقيقة غائبة عن القارئ والمتابع العربي والمغاربي، خاصة أن الجزائر الرسمية لم تعبأ بتلك الروايات المفبركة التي يروج لها “مؤرخون” لا ينظرون للأمور إلا بأعين حولاء تتماوج بين القصرين في الرباط، ولا يزنونها إلا بما يملى عليهم من هنا وهناك، كما أن من صنعوا تلك الملحمة تواروا في الظل ولم تطالهم أشعة الشمس، وسنكشف لأول مرة في تاريخ الجزائر تفاصيل هذه القضية الثورية بإمتياز.

الغدر المغربي في أمغالا الأولى

في نهاية شهر جانفي من عام 1976، وسنة بعد الغزو المغربي للصحراء الغربية في إطار ما سميت بـ “المسيرة الخضراء“، ومع استفحال ظاهرة النزوح الصحراوي بسبب حملة الإبادة الشاملة التي كان ينفذها الجيش المغربي بأمر من الملك الحسن الثاني، وجراء ذلك هبّت الآلاف من العوائل الصحراوية فارّة بجلدها ومن دون أن تتزود بقوت ولا غطاء ولا حتى الشراب، حيث تاهت في رمال وقفار الصحراء فضلت ركوب غبار الموت من أجل الوصول إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف الجزائرية، التي كانت الخيار الأوحد الذي لا ثاني له، لنجاتهم من بطش القوات الغازية والمتعطشة للدماء. وقد أقدمت السلطات المغربية على التصدي لجحافل الفارين والهاربين من القصف والقتل والتدمير، حيث تقوم بنصب الكمائن لهم ومنعهم بقوة السلاح من الفرار من الجحيم نحو تندوف.خلال ذلك كانت جبهة البوليساريو تقوم بعمليات نوعية وحسب الممكن لمساعدة هؤلاء الصحراويين لمغادرة الأراضي المحتلة وبأقل الخسائر، لأن المغرب فضّل حينها دفنهم أحياء في الرمال من أن يبلغوا غايتهم بمخيمات اللجوء.

#الجزائر التي كانت مساعدتها الإنسانية والسياسية والدبلوماسية معلنة وصريحة وليست من وراء الحجب ولا الستائر، لم تتردد في تقديم المساعدة العسكرية لجبهة البوليساريو، وهذا الأمر كان معروفا وليس خفيا. وحسب ضابط سابق في الجيش الجزائري، أن القوات المسلحة الجزائرية ساهمت في مدّ يد العون للصحراويين المضطهدين والذين كانوا في أمسّ الحاجة لمغادرة بيوتهم التي تقصف وتنتهك فيها الحرمات من قبل الجيش الملكي المغربي، ولهذا دخلت كتيبة من الجيش الوطني الشعبي للتراب الصحراوي، وكانت تتكون من 160 فردا (5 ضباط و12 من ضباط الصف والبقية جنود)، يحملون أسلحة فردية وخفيفة من نوع كلاشينكوف وسيمينوف، وهي أسلحة يستعملها الجندي من أجل الدفاع عن نفسه فقط، وليس للقيام بأي عملية هجومية ضد القوات المغربية المتحرّشة بالصحراء الغربية. فلو كانت هناك نية هجوم لاستعملت الطائرات والمدرعات والدبابات والأسلحة الثقيلة، والجزائر كانت خلال تلك الفترة متفوقة عسكريا ومن ناحية التسليح على المغرب.

الكتيبة الجزائرية التي دخلت الأراضي الصحراوية بطلب من قيادتها، هدفها كان إنسانيا بحتا، وهو تقديم مساعدات للشعب الصحراوي، ولهذا لم تلجأ القوات المسلحة الجزائرية إلى تدعيمها بأسلحة ثقيلة، بل حتى عناصر الكتيبة كانوا من جنود الخدمة الوطنية الذين ليس لهم تدريب عسكري كامل بل تدريبهم لم يتعدّ الستة أشهر في ثكنات مخصصة لأداء الواجب الوطني وليست مدراس وكليات عسكرية عليا ومحترفة على غرار الأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة أو المدرسة العليا للقوات الخاصة… الخ.

ويضيف الضابط الجزائري السابق، أنه أثناء تواجد الكتيبة الجزائرية بالأراضي الصحراوية وهي في متوجهة لمعاقل جبهة البوليساريو وبعد أيام قضتها في الطريق الصحراوي، وعندما وصلت منطقة أمغالا تفاجأت بحصار ضرب عليها من طرف القوات الملكية التي كشفت أمرهم، ووقع اشتباك بين الطرفين ونشبت حينها معركة حامية الوطيس دامت يومين كاملين، وكانت القوات المغربية تتفوق على الكتيبة الجزائرية في العدد والعدة والعتاد، وتمّ أسر أغلبية الجنود الجزائريين وفرّ آخرون في الصحراء وماتوا عطشا. تم أسر 99 عنصرا بينهم ضابط إحتياطي واحد وهو السيد باشة نورالدين، عكس ما زعمته وسائل الإعلام المغربية .

الضابط العامل الوحيد الذي قاد الكتيبة لم يتم أسره، فقد رفض الاستسلام للقوات المغربية المهاجمة وتمكن من الفرار نحو الصحراء ومات عطشا، وأيضا 3 ضباط إحتياط آخرين قتلوا اثناء المواجهات.

في اليوم الموالي من العملية مباشرة، أعلنت وزارة الإعلام المغربية عن تفاصيل الحادثة، وراحت تهلل بما وصفته بالانتصار الكبير والعظيم على الجيش الجزائري، وبالغت فيه إلى أبعد الحدود، ولكنها تجاهلت أن الأمر لا يعدو سوى عملية استهدفت عناصر عادية من أبناء الخدمة الوطنية كانوا بصدد مهمة إنسانية وليست عسكرية كما زعم حينها القصر الملكي.

السلطات المغربية استغلت الواقعة حينذاك، وكعادتها دائما في تقليب الحقائق وفق أجندة خاصة بها، وراحت تروج لها من أجل أن تبرز للرأي العام الدولي من أن الجزائر قد أعلنت عليها الحرب، ومن جهتها اعترفت الجزائر بتغلغل كتيبة من القوات الجزائرية في الأراضي الصحراوية وليست المغربية وهذا من أجل تقديم يد المساعدة للشعب الصحراوي، وحدث ذلك بطلب من جبهة البوليساريو بصفتها معترف بها كممثل شرعي ووحيد للصحراويين، ولهذا فدخول كتيبة الجيش الوطني الشعبي إلى الصحراء الغربية لا يمكن أن نعتبره خرقا للأراضي المغربية المعترف بها دوليا. وفي السياق نفسه أكدت الجزائر رسميا من أن القوات المغربية قد أسرت عددا كبيرا من أفراد تلك الكتيبة.



ملحمة أمغالا الثانية التي يخجل منها القصر الملكي

الرئيس الراحل هواري بومدين لم يكن من طينة الرجال الذين يغضّون الطرف عن مثل هذه الحوادث الكبرى، ولا هو ممن يتخلون عن رعاياهم ويستسلمون للغدر ويجعلونه قضاء وقدرا لا يمكن التصدي له، وهذا الذي يجمع عليه من عايشوه وكانوا مقربين منه. فقد اعتبر هجوم القوات الملكية المغربية على الكتيبة الجزائرية هو الغدر بعينه، وخاصة أن هذه الكتيبة في مهمة إنسانية نبيلة ولم تكن مسلحة بالقدر الذي يمكن أن تتجرأ على مهاجمة قوات نظامية محتلّة ومدججة بأسلحة ثقيلة وأخرى فتاكة. فقرر أن يرد الصاع صاعين على القصر الملكي، ولهذا هيأ خطة للأخذ بالثأر أشرف عليها شخصيا وتابع فصولها بنفسه.

انتقل الرئيس هواري بومدين إلى مدرسة القوات الخاصة “الكومندوس“، وطلب من قيادتها اختيار أحسن العناصر الذين يمكن أن يعوّل عليهم في مهمة خطيرة وثقيلة، لا خيار ثالث فيها بين الموت أو الحياة. كما طلب الرئيس فقد جرى اختيار أفضل العناصر من الناحية البدنية والعسكرية والإنضباط ، وتمّت مضاعفة قدراتهم بتدريبات استثنائية وكثيفة على مدار 15 يوما لا ينامون إلا قليلا. وبعدما أظهروا براعتهم وإمكانياتهم الميدانية والتطبيقية العالية، نقلوا إلى ولاية تندوف على جناح السرعة، وقد تابع الرئيس هواري بومدين شخصيا مرحلة التدريب التي خاضتها الفرقة الخاصة، وقد حدد لها هدفا معينا ويتمثل في أسر ضعف ما أسره المغاربة، قائلا لهم: “حتى يساوي الجزائري مغربيين اثنين وإلا لن يهنأ لي بال“.

خلال ذلك قام بتكليف العقيد محمد الصالح يحياوي بالإشراف على تنفيذ العملية ومتابعتها حتى النهاية، الذي لديه تجربة عسكرية في تندوف وقاد أيضا الأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال وعضو في مجلس الثورة، والتعيين هذا هو أكبر دليل على مدى أهمية العملية لدى الرئيس الراحل هواري بومدين.

قبل الشروع في الهجوم غادر الرئيس التراب الجزائري متوجها للجماهيرية الليبية وذلك في منتصف شهر فبراير1976، وفي تلك الليلة تم تنفيذ الإغارة على فيلق مغربي يتجاوز عدد عناصره 350 فردا كانوا مدججين بشتى أنواع الأسلحة، حيث تمّ الفتك بعناصر الحراسة ومجموعة الخفارة، وانقضّت الفرقة الخاصة للكومندوس الجزائري على بقية الفيلق الذين كانوا يغطّون في نوم عميق بخيماتهم، جرى تدميره كاملا ولم ينجو منه أحد حيث تمّ أسر ما يقارب 250 فردا من مختلف الرتب، أما البقية فقد لقوا حتفهم أثناء الهجوم. في حين لم يمس الجانب الجزائري ولو بخدوش بسيطة وعابرة.




فزع الملك الحسن الثاني عندما تلقى نبأ الكارثة التي وقعت لجيشه، ولتوّه أبرق رسالة للرئيس هواري بومدين، طالبا فيها المبادرة بالإعلان الرسمي عن الحرب بين البلدين أمام الرأي العام العربي والدولي.استهزأ الرئيس هواري بومدين من برقية الملك المغربي، واكتفى الرد العملي الجزائري بنشر رسالة الملك كاملة على صفحات الجرائد الوطنية، والهدف الأول والأساسي من ذلك هو إعلام الرأي العام الوطني من خلال محتوى برقية الملك الحسن الثاني، أن الجيش الوطني الشعبي أخذ بثأر الكتيبة التي غدر بها قبل أيام، ومما إعترف به الحسن الثاني أنذاك أن كمندوس جزائري أغار على فيلق مغربي ليلا وقام بإبادته وأدى ذلك في وقوع “عشرات الجرحى والقتلى من أبنائه” على حد تعبير الملك المغربي، والذي تحدث أيضا بلغة المنكسر عندما ختم رسالته طالبا من الرئيس بومدين أن يعمل من أجل تجنيب البلدين مأساة أخرى، وفي الوقت نفسه أظهر إستعداد للسلام وفق ضمانات دولية، والأهم هو طلبه بأن يعلن بومدين الحرب صراحة على المغرب.

لم يكلّف الرئيس هواري بومدين نفسه عناء الرد الرسمي على الملك المغربي الحسن الثاني، إذ اكتفت وكالة الأنباء الجزائرية بمجرد شبه ردّ مقتضب، مما أشار إليه وأكده بإختصار، أن المشكل قائم بين المغرب وجبهة البوليساريو، وإذا أراد المغاربة معرفة هوية الذين أغاروا على فيلقهم وفتكوا به، ما عليهم إلا اللجوء لجبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، من أجل أن تزودهم بما حدث في أمغالا الثانية.

بالنسبة للرأي العام الدولي، لا يمكن مطلقا أن تتهم الجزائر بالعدوان على المغرب كما يريد هذا الأخير، باعتبار أن رئيس الدولة هواري بومدين كان خارج التراب الجزائري، كما هو معلوم أنه لا يمكن القيام بعملية عسكرية بهذا المستوى في غياب الرئيس. وبالتالي من غير المستقيم والسليم في العرف العالمي، أن يحكم المجتمع الدولي على الجزائر من أنها شنّت عدوانا على جيش جارتها المملكة المغربية. وهذا ما كان يريده الرئيس هواري بومدين عندما غادر الجزائر بيوم قبل تنفيذ العملية، وهو دهاء لا مثيل له من رجل حرب محنك عايش حقبة ثورة التحرير كقائد ميداني وبعدها صنع صيتا سياسيا للجزائر لا يمكن تخيله أبدا، وهو الذي يعترف له به الأعداء قبل الأصدقاء.

لقد نجحت العملية بدرجة فاقت توقعات مهندسها الرئيس الراحل هواري بومدين، وتحقق ما يصبوا إليه من أسرى فضلا عن الرعب الذي دبّ في أوساط القوات المغربية بالصحراء الغربية التي صارت تعيش كابوسا حقيقيا زادته حدّة ضربات جبهة البوليساريو المتتالية، ولم يذق الجيش المغربي طعم الراحة إلا بمعاهدة وقف إطلاق النار كما إعترف بذلك ضباط وعسكريون سابقون.

نذكر للتاريخ، أنه لما طلب الملك الحسن الثاني الإعلان الرسمي عن الحرب، سخر منه الرئيس هواري بومدين في خطاب ألقاه بتاريخ 24 فبراير 1976 بمناسبة الذكرى الخامسة لتأميم المحروقات، حيث قال باستهزاء: “لقد طلب منا ملك المغرب الإعلان الرسمي عن الحرب وكأنه يعتقد أن الحرب مباراة كرة قدم، فالحرب أصعب من ذلك بكثير ولا يعرفها الملك لأنه لم يخض حربا مثل التي خضناها طيلة سبع سنوات ضد رابع قوة عالمية“، وأضاف أيضا: “الحرب ليست لعبة صبيان” وهكذا ختم الرئيس الراحل حديثه في الموضوع.

وبذكائه المعهود والمعروف والشائع عنه، وبلهجة الهامس في أذن الملك المغربي، حتى يشعره بأن عملية أمغالا الثانية هي من صنع الجيش الجزائري، وخاصة أن الرئيس كان يعلم بمدى المهانة التي أحسّ بها الملك من خلال تلك الصفعة الرهيبة التي ظل يخجل منها لاحقا ويتحاشاها ولو بحديث عابر، قال الرئيس هواري بومدين: “يتكلمون عن أمغالا الأولى ولما لم نتكلم عن أمغالا الثانية“، واكتفى بذلك الإيحاء فقط من أجل أن يبرهن أن العملية كانت درسا للجيش الملكي لا يمكن أن تمحى بتزوير الحقائق ولا بالتجاهل والإنكار. ولا يزال ليومنا هذا كتّاب التاريخ على مقاس حذاء الملك لم يهضموا الحادثة، ولا تزال تشكل عقدة نفسية رهيبة ومخجلة لدى القيادات العسكرية المغربية، وتتوارثها من جيل لآخر حتى يومنا هذا، بل حتما ستبقى تلاحق الجيش المغربي إلى الأبد.

عندما ساوى الجزائري مغربيين في ليلة القدر

إن الجزائر لم تعترف علانية بهجوم أمغالا الثانية، ولكنها بذلت جهودا جبارة وعبر قنوات مختلفة لإطلاق سراح الأسرى الجزائريين الذين جرى أسرهم في أمغالا الأولى. وبعد سنوات طويلة من الشدّ والمدّ، أبرم الاتفاق بين البلدين، حيث تمّ تبادل الأسرى على الشريط الحدودي بين الجزائر والمغرب، في25 ماي 1987 الموافق لليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم 1407 هجري، وخضع حينها المغاربة مكرهين إلى ما أراده وخطط له الرئيس الراحل هواري بومدين في حياته، حيث ساوى جزائري بمغربيين وزيادة، ظهر ذلك واضحا وجليا أثناء عملية التبادل فتم تسليم ما يقارب 250 اسير مغربي مقابل 102 من الجزائريين.

اكتفت السلطات الجزائرية بمنح امتيازات للأسرى الذين تمّ تحريرهم، وتتمثل في السكن والمتاجر وأجر كامل كتعويض عن سنوات تواجدهم في غياهب سجون الحسن الثاني، في حين أن السلطات المغربية من جهتها عملت على إبراز أسراها إعلاميا في إطار أجندتها الرامية لإقناع الرأي العام الدولي بأن الجزائر أسرت جنودا وضباطا مغاربة في إطار حرب غير معلنة، وقد ظهر الأسرى في القنوات التلفزيونية والصحف والإذاعات بطريقة مكثفة، ولكن بمجرد أن بادر هؤلاء الأسرى بطلب امتيازات اجتماعية عادية سدّت في وجوههم كل أبواب أجهزة الإعلام الرسمية وطويت صفحتهم إلى أجل غير مسمّى.

إذا كانت أمغالا الأولى قد صبّت في أقداح المغرب وكانت في صالحه عندما حقق مبتغاه في أسر جنود جزائريين من عناصر الخدمة الوطنية، وكثر عليها الحديث وسال الحبر بصورة رهيبة. فإن أمغالا الثانية الحقيقية وليست المزيفة، كانت في صالح الجزائر أضعافا مضاعفة وجرى أسر ضباط وصف ضباط وجنود عاملين في الجيش الملكي، غير أنها لم يسيل لها الحبر ولو بقطرة واحدة، ولا يوجد من كتب في العملية أو بحث في أغوارها، والسبب بسيط جدا وهو أن مهندسها الرئيس الراحل هواري بومدين رجل يؤمن بالأفعال وليس بالأقوال كما ظل يردد مرات عديدة، فضلا من أن الهدف هو تحرير السرى وفق مقاربة حددت معالمها تنبع أساسا من تحدي بومدين للحسن الثاني في محطات كثيرة ومختلفة.

ويكفي دلالة على ذلك أن الملك الحسن الثاني لم يتمكن من زيارة العيون ولم تطأ قدماه تراب المدينة التي يزعم أنه حررها من الإسبان ثم إسترجعها في مسيرته الخضراء، إلا بعد وفاة الرئيس هواري بومدين رحمه الله. وقد تحدّى الملك الحسن الثاني علانية، أنه سيشرب الشاي بالعيون في إطار الخطاب المخزني المعروف والذي يستهدف دوما الجزائر على موقفها المبدئي من القضية الصحراوية ودعمها المعلن لجبهة البوليساريو بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي، فردّ بومدين بمقولته المشهورة وهو يؤمن بالشخصية الصحراوية التي ترفض الإستعمار مهما كان نوعه: “إذا شربت الشاي في العيون فسأعطيك شنباتي نعناع“.


قائمة الأسرى الذين حررتهم أمغالا الثانية

والأسرى الجزائريين الذين تمّ تحريرهم كان عددهم 102 حيث إلى جانب 99 الذين أعتقلوا في أمغالا الأولى جرى تحرير 3 مساجين آخرين، والمعنيين بالأمر الذين تنشر اسماؤهم لأول مرة هم كالتالي: عاشور محمود، بشّه نورالدين، حويشي محمد، حبيب أعميروش، نحيلة بوحفص، آيت قاسي عبدالرحمان، عموري حسين، بن رخروخ محمد، بن زعرة رزوق، بواصطية محمد، جابري محمد، قرزو عبدالكريم، كيزان عبدالله، علمي عمر، سعودي محمد لمين، بن سليمان الطاهر، بوزيان بن سالم، بوزيان العمري، طالحي الحاج، ياحي محمد الطاهر، بوقواصى الطيب، بن مريم بن زروقي، بن صالح عبدالقادر، بوقرة محمد، بويكن باهي اعمر أحريز، فرحات سليم، خنفوسي عامر، مباركة رشيد، ملياني أرزقي، مفلاح أحمد، مناد العربي، موساوي أحمد، أوقيدة محمد، زويش عبدالقادر، زرقي محمد، عبدادي أحمد، عبدون علي، عدمي عبدالقادر، علالي محمد، عميرش محمد، عربوش عبدالقادر، بدري رمضان، بهادي مبروك، بقادي محمد، براكشي أحمد، بشيبشي محمد، بشيري لخضر، بلحاج عبدالرحمان، بن عبدالله محمد، بن دريسي عبدالقادر، بن سعادة العربي، بن دحمان مصطفى، مفتاح بلحرش، مسعودي محمد الصالح، مليح الجيلالي، محمدي عبدالله، موهب أعمر، مومني محفوظ، نسيب علي، أوبلعيد محمد، رباط أحمد، رحال إبن حنبل، صالحي أحمد، سعود محمد العيد، سيراط بكار، قمني العيد، طاسيدا بلعيد، تكسانة زهير، توالميت حمو، طراد لحباسي، بوساري محمد، زامبو مبروك، روابح علي، نمير الحاج، جوبالي مبروك، بن تركي عبدالقادر، بربوشي محمد، بوشراق الشريف، بودلال عبدالقادر، بوزدي محمد، شعشوعة إبراهيم، شيلا رشيد، جعفري علي، جيدل علي، ضياف محمد، ديالم بن يوسف، ذويبي نواري، فكراوي عبدالباقي، فغول أرزقي، غزيوي رمضان، حماني أحمد، حمدي صافي، قداش لخضر، كحلي عبدالقادر، خالدي عبدالسلام، خدران محمد، كوبيتي جلول، لبيود محمود، لعلام عبدالقادر، العربي ناصر، محبوط إبراهيم، منصوري محمد.
من جريدة الاهرام المصرية
 


بعد كل إشراقة شمس يوم جديد على العاصمة البيضاء، وإسدال ستار ليل، يكون مسجد الجزائر الأعظم قد تقدم خطوات عملاقة نحو تحقيق أبعاد هذا القطب الديني والثقافي والمعماري الذي سيشع نورا وضياء عن قريب بإذن الله ، هذا التقدم لا محالة يجري تحت أعين السلطات العليا في البلاد، وعلى رأسها رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة الذي يولي اهتماما وعناية شديدة بهذا الصرح الديني الفخم ....
رغم البلبلة، إذن مشروع الجزائر سيكتمل حتى النهاية وسيصلي فيه الجزائريون بإذن الله ....كل مراحل تاريخ الجزائر تعلمت بمسجد، لما طردنا الأسبان من وهران أجدادنا بنوا مسجد الباشا في وهران، ولما أقيمت الدولة العثمانية بنوا مسجد كشاوة، ولما كانت قبلها الدولة المرابطية بنوا لنا الجامع الكبير وجامع ندرومة في تلمسان اللذين يحملان هندسة واحدة ومتطابقة، تاريخ الجزائر يضع معالم للمراحل والأمجاد والقرآن الكريم يشير إلى ذلك في الآية “واتخذوا عليهم مسجد”، المسجد يعلم تاريخ الجزائر، بعد الاستقلال أين المعلم الذي يرمز بأن الجزائر طردت الاستعمار، يوجد المكان الذي غرق فيه اسطول شارلزكان سنة 1542، يوجد المكان الذي عجزت فرنسا الدخول منه، يوجد المكان الذي قتل فيه “لوديغ دو روفيغوا” عشرة آلاف شخص، ويوجد مكان “الكاردينال لافيجري” الذي بنى فيه كنسية الآباء البيض، هؤلاء الخمس الذين سميتهم موجودون في المحمدية.
الاسم الرسمي هو جامع الجزائر، حينما نقول جامع الجزائر لا يعني العاصمة، إنما جامع الجمهورية الجزائرية، لم نحبذ القول جامع الجمهورية لان مصطلح الجمهورية جديد بالنسبة للجزائريين، هو مشروع الرئيس الراحل هواري بومدين، لكن لم تأتي المناسبة لكي ينجز، وحينما ترأس الرئيس بوتفليقة البلاد، عرضنا عليه الفكرة، أعجبته كثيرا، لكنه أصر على أن يكون نموذجا كبيرا يأخذ بعين الاعتبار الجانب الحضاري، في نفس الوقت الجزائر تتميز بالمسجد، مسجد الجامع الكبير من عهد المرابطين ثم جامع كشاوة يمثل العهد التركي، وبما أننا ننعم اليوم بالاستقلال وجب التأريخ له بمسجد، إذا جامع الجزائر يؤرخ لاستقال الجزائر، للدولة الجزائرية الحديثة التي استرجعها المجاهدون وسالت عليها دماء الشهداء، هذا الصرح المعماري الكبير يمثل عنوانا للدولة الجزائرية الحديثة الدينية. ... جامع الجزائر عبارة عن مركب حضاري كبير جدا، لا يقاس بعدد المصلين، ولكن يقاس بالبعد الحضاري للدولة الجزائرية المستقلة.  المسجد الأعظم الذي بني بأكبر منارة في العالم، تعطي مؤشرات ودلالات قوية، بالنظر لاختيار المكان والتاريخ الذي تزامن مع إحياء ذكرى اندلاع الثورة التحريرية، خاصة أن الرئيس أراد من هذا المشروع أن يكون صرحا قويا مخلدا للشهداء، لا سيما أن تشييد المسجد الأعظم يعتبر معلما فنيا يجمع بين الأصالة والحداثة ويبرز الثقافة الإسلامية والهوية الجزائرية، حيث أكد الرئيس على أن المشروع، تقرر بناؤه وفاء لتضحيات الشهداء الأبرار، وتخليد عهد الاستقلال واسترجاع الدولة الجزائرية، وهو ما يجعل من هذه الزيارة ذات أبعاد سياسية، بالنظر للهجمة التي تعرض لها المسجد من قبل الفرنسيين، في وقت تخوض فيه الجزائر حربا باردة مع السلطات الفرنسية التي صعدت من هجومها على رموز الثورة في الفترة الأخيرة، إضافة إلى ذلك حملت هذه الزيارة دلالات عدة، خاصة بعد أن مر المشروع بصدمات عطلت تقدم الأشغال فيه، واستنفرت بعض الجهات الأجنبية التي أرادت التشويش على مشروع الرئيس، خاصة بعد أن أوكلت مهمة استكماله إلى الشريك الصيني عقب سحب المشروع من الشركة الألمانية، ولقى هجوما من مسؤولين ألمان وفرنسيين، لا سيما أن شركة فرنسية كانت تريد وضع يدها على المشروع.... سيكتمل المشروع بإذن الله ، وسيصبح مأثرة لجزائر الاستقلال وسيكون جوهرة عقد خليج الجزائر، وسينسي الجزائر في “دوفوكوا” وسينسيها في “لافيجري” و”لوديك دو روفيغوا” الذي هدم كشاوة، وسينسي محاولات طمس الهوية الجزائرية، خاصة أن المسجد لم يبن بطريقة تقليدية ولكن بمقاييس حضارية حداثية تأخذ من التراث الإسلامي العريق وتعطي تصورا مستقبليا وكل الهياكل وطريقة تسييره يجعله مدرسة مستقلة....

المصدر - جريدة الحوار "مسجد الجزائر الأعظم.. القصة الكاملة"