بعد كل إشراقة شمس يوم جديد على العاصمة البيضاء، وإسدال ستار ليل، يكون مسجد الجزائر الأعظم قد تقدم خطوات عملاقة نحو تحقيق أبعاد هذا القطب الديني والثقافي والمعماري الذي سيشع نورا وضياء عن قريب بإذن الله ، هذا التقدم لا محالة يجري تحت أعين السلطات العليا في البلاد، وعلى رأسها رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة الذي يولي اهتماما وعناية شديدة بهذا الصرح الديني الفخم ....
رغم البلبلة، إذن مشروع الجزائر سيكتمل حتى النهاية وسيصلي فيه الجزائريون بإذن الله ....كل مراحل تاريخ الجزائر تعلمت بمسجد، لما طردنا الأسبان من وهران أجدادنا بنوا مسجد الباشا في وهران، ولما أقيمت الدولة العثمانية بنوا مسجد كشاوة، ولما كانت قبلها الدولة المرابطية بنوا لنا الجامع الكبير وجامع ندرومة في تلمسان اللذين يحملان هندسة واحدة ومتطابقة، تاريخ الجزائر يضع معالم للمراحل والأمجاد والقرآن الكريم يشير إلى ذلك في الآية “واتخذوا عليهم مسجد”، المسجد يعلم تاريخ الجزائر، بعد الاستقلال أين المعلم الذي يرمز بأن الجزائر طردت الاستعمار، يوجد المكان الذي غرق فيه اسطول شارلزكان سنة 1542، يوجد المكان الذي عجزت فرنسا الدخول منه، يوجد المكان الذي قتل فيه “لوديغ دو روفيغوا” عشرة آلاف شخص، ويوجد مكان “الكاردينال لافيجري” الذي بنى فيه كنسية الآباء البيض، هؤلاء الخمس الذين سميتهم موجودون في المحمدية.
الاسم الرسمي هو جامع الجزائر، حينما نقول جامع الجزائر لا يعني العاصمة، إنما جامع الجمهورية الجزائرية، لم نحبذ القول جامع الجمهورية لان مصطلح الجمهورية جديد بالنسبة للجزائريين، هو مشروع الرئيس الراحل هواري بومدين، لكن لم تأتي المناسبة لكي ينجز، وحينما ترأس الرئيس بوتفليقة البلاد، عرضنا عليه الفكرة، أعجبته كثيرا، لكنه أصر على أن يكون نموذجا كبيرا يأخذ بعين الاعتبار الجانب الحضاري، في نفس الوقت الجزائر تتميز بالمسجد، مسجد الجامع الكبير من عهد المرابطين ثم جامع كشاوة يمثل العهد التركي، وبما أننا ننعم اليوم بالاستقلال وجب التأريخ له بمسجد، إذا جامع الجزائر يؤرخ لاستقال الجزائر، للدولة الجزائرية الحديثة التي استرجعها المجاهدون وسالت عليها دماء الشهداء، هذا الصرح المعماري الكبير يمثل عنوانا للدولة الجزائرية الحديثة الدينية. ... جامع الجزائر عبارة عن مركب حضاري كبير جدا، لا يقاس بعدد المصلين، ولكن يقاس بالبعد الحضاري للدولة الجزائرية المستقلة. المسجد الأعظم الذي بني بأكبر منارة في العالم، تعطي مؤشرات ودلالات قوية، بالنظر لاختيار المكان والتاريخ الذي تزامن مع إحياء ذكرى اندلاع الثورة التحريرية، خاصة أن الرئيس أراد من هذا المشروع أن يكون صرحا قويا مخلدا للشهداء، لا سيما أن تشييد المسجد الأعظم يعتبر معلما فنيا يجمع بين الأصالة والحداثة ويبرز الثقافة الإسلامية والهوية الجزائرية، حيث أكد الرئيس على أن المشروع، تقرر بناؤه وفاء لتضحيات الشهداء الأبرار، وتخليد عهد الاستقلال واسترجاع الدولة الجزائرية، وهو ما يجعل من هذه الزيارة ذات أبعاد سياسية، بالنظر للهجمة التي تعرض لها المسجد من قبل الفرنسيين، في وقت تخوض فيه الجزائر حربا باردة مع السلطات الفرنسية التي صعدت من هجومها على رموز الثورة في الفترة الأخيرة، إضافة إلى ذلك حملت هذه الزيارة دلالات عدة، خاصة بعد أن مر المشروع بصدمات عطلت تقدم الأشغال فيه، واستنفرت بعض الجهات الأجنبية التي أرادت التشويش على مشروع الرئيس، خاصة بعد أن أوكلت مهمة استكماله إلى الشريك الصيني عقب سحب المشروع من الشركة الألمانية، ولقى هجوما من مسؤولين ألمان وفرنسيين، لا سيما أن شركة فرنسية كانت تريد وضع يدها على المشروع.... سيكتمل المشروع بإذن الله ، وسيصبح مأثرة لجزائر الاستقلال وسيكون جوهرة عقد خليج الجزائر، وسينسي الجزائر في “دوفوكوا” وسينسيها في “لافيجري” و”لوديك دو روفيغوا” الذي هدم كشاوة، وسينسي محاولات طمس الهوية الجزائرية، خاصة أن المسجد لم يبن بطريقة تقليدية ولكن بمقاييس حضارية حداثية تأخذ من التراث الإسلامي العريق وتعطي تصورا مستقبليا وكل الهياكل وطريقة تسييره يجعله مدرسة مستقلة....
المصدر - جريدة الحوار "مسجد الجزائر الأعظم.. القصة الكاملة"
0 التعليقات:
إرسال تعليق