#الجزائر #الأدب_الجزائري "... قد كنا أسمع بعض الرؤساء الأفارقة وهم ينادون بومدين بلقب PATRON، أما في الوطن العربي فكانا الثوار يلقبونه بالزعيم، وهذا ما حدث في سوريا سنة 1978 حينما ألقى بومدين خطابا عن التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل، ودُعي بعده ياسر عرفات للكلام فقال، فيما يرويه عبد الملك كركب، “كيف يمكن أن أتكلم بعد كلام الزعيم؟”، وهو ما يذكر هنا بكلمته الرائعة : نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة. وهكذا لكانت لجزائر بومدين أدوار بالغة الأهمية عبر الوطن العربي والقارة الإفريقية، بداية بمصالحة موريطانيا مع الجامعة العربية في بداية السبعينيات، ومصالحة السنغال مع غينيا في 1972 ومصالحة باكستان مع بنغلادش في 1974 ومصالحة إيران مع العراق في 1975 وكذلك مصالحة وليم هولدن مع أوغستينو نيتو في نفس السنة لإنقاذ ثورة أنغولا. وفي هذا السياق يجب أن نتذكر أن العلاقات الخارجية كانت تتميز بالاحترام المتبادل للأفكار وللمصالح، وتتسم بالحزم والصرامة فيما يتعلق بالمصلحة العليا للجزائر، مثلما حدث في مواجهة وحدة جربة المرتجلة بين ليبيا وتونس، التي قال عنها الرئيس الجزائري أن الجزائر يجب أن تستشار في كل ما يتعلق بقضايا المنطقة، وهي لا تجري وراء القطار بعد انطلاقه، والوحدة كالزواج يلزمها حسن الإعداد والاستعداد، وما حدث في جربة لم يكن أكثر من “زواج متعة”. وحدث أمر مشابه مع السادات إثر زيارته المشؤومة للقدس، والتي جاءت باتفاقية كامب ديفيد، التي قال بشأنها بومدين : إذا أنجزت هذه الاتفاقية شيئا ذا أهمية لمصر وللوطن العربي فإنني سأعتذر عن تنديدي بها، وفي غير ذلك فإن على الرئيس السادات أن يتراجع حفاظا على مصر وعلى المصالح العربية العليا. ولقد ذكرت يوما بما قاله لي وليم كوانت بمحضر عشرات الديبلوماسيين الجزائريين، من أنه لو كانت هناك ديموقراطية في مصر لما أمكن تمرير اتفاقية كامب دافيد. ولعل اعتزاز بو مدين بجزائريته تجسد في رفضه رفض دعوة من الرئيس شارل دوغول لزيارة فرنسا، قدمت عن طريق سفيرنا في دردشة له مع الرئيس الفرنسي، لأنه اشترط الدخول من الباب العريض وليس من الباب الخلفي، أي بدعوة رئاسية رسمية لزيارة دولة رسمية يعزف فيها نشيد الثورة الجزائري “قسما” في المطار، حيث يستقبل بو مدين من طرف الجنرال الفرنسي شخصيا، وهو ما لم يكن واضحا في الدعوة. وكانت خلفية بو مدين أنه يريد صداقة تحالفية مع فرنسا مبنية على مصالحة تاريخية تشبه مصالحة فرنسا – دو غول مع ألمانيا – أديناور، وكان بالتالي يرفض مصالحة من نوع مصالحة ألمانيا هتلر مع فرنسا بيتان. وأنا ممن يرون أن خلفية المصالحة التاريخية مع فرنسا كانت، بالنسبة للرئيس بو مدين، خطوة نحو إقامة كتلة دولية جديدة تتكامل فيها أوروبا الغربية مع الوطن العربي وإفريقيا، لتكون قوة تعادل دولي بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية. ومن هنا أصيب بو مدين بإحباط بعد خلال زيارة الرئيس ديستان للجزائر في منتصف السبعينيات، حيث أحس بان الرئيس الفرنسي كان أتفه من أن يفهم الأبعاد الحقيقية لمصالحة جزائرية فرنسية تقوم على احترام الحقوق التاريخية للجزائر والاعتراف بخطايا الاستعمار الفرنسي، وهو لم يفهم رسالة الرئيس الجزائري وهو يقول بأن صفحة الماضي مع فرنسا قد طويت نهائيا، ولهذا قال بو مدين في آخر خطبه الرسمية أن الصفحة طويت ولكنها لم تمزق. لكن أمانة المناضل تقتضي التنديد بإهمال الجزائر لواحد من أهم رؤسائها، ولا أحب أن أتهم أحدا بعينه والقول أن هذا التعتيم على شخصية بومدين متعمد، لكن المؤكد هو أن فكر الرجل ومبادئه وأسلوب حياته ونظرته الإستراتيجية لمشروع المجتمع الوطني كلها تشكل خطرا على مصالح السياسيين المحترفين ورجال المال الشرهين، وكثيرا ما كان الرئيس يردد : لو فشلت مشاريعنا في البناء الوطني فستعرف الجزائر طبقة من الكولون الجزائريين سيكونون أكثر شراسة من الكولون الفرنسيين”. وكان من الطبيعي إذن ألا يكون هناك بلد واحد من أمة “مهند” (حسبما عرفت) توقف لحظات ليترحم على رجل كان من أول أهمياته رفعة الوطن العربي وتكامله مع العالم الإسلامي وبروزه كقوة دولية لها وزنها واحترامها وفعاليتها. رحم الله بو مدين وفيصل وعبد الناصر والخطابي وعمر المختار وغيرهم من أحرار الأمة. وأمة تستهين بأفضل أبنائها لا يجب أن تفاجأ عندما تنالها الإساءة من أسوأ الأبناء، وأمة لا تعترف بفضل رجالها ستصبح لعبة في يد غلمانها. ذلك هو حكم التاريخ... "دكتور محيي الدين عميمور

0 التعليقات:

إرسال تعليق