#الجزائر ارض الاسلام ... تاريخ على مدى ثلاثة آلاف سنة 



"الجزائر أرض الإسلام قد أعطت كذلك للإنسانية الأمير عبد القادر الذي أنقذ في زمنه حياة ألاف المسيحيين خلال منفاه في دمشق، وكان أول من وضع قواعد القانون الدولي الإنساني حسب شهادة الرئيس الحالي للجنة الدولية للصليب الأحمر." (مساهل)

الجزائري بمغربيين … أو قصة صفعة بومدين للحسن الثاني

 

 في هذه الأيام الصعبة عادت أمغالا الصحراوية التاريخية التي يحتلّها الجيش المغربي إلى واجهة الإعلام الدولي، ولكن للأسف الشديد جاء في إطار مسلسل تفكيك “الخلايا الإرهابية” الذي دأب عليه المغرب منذ سنوات، وبالرغم من أن عددها تجاوز حدود المعقول والممكن، إلا أنه لم نشهد ما يفيد بوجود مخطط فعلي لاستهداف المملكة المغربية.

آخر ما حدث هو إعلان وزارة الداخلية المغربية عن تفكيك ما وصفته بخلية إرهابية مدججة بأسلحة ورشاشات وقذائف وذخائر بمختلف الأنواع وذلك يوم الثلاثاء 04 جانفي2011، وفي منطقة أثارت نقاط ظل وتناقضات مختلفة، وعادت بنا إلى الغوص في أعماق الأمس البعيد.

أمغالا تحمل في جعبتها الكثير من المحطات والأحداث البارزة، وخاصة في تاريخ كفاح الشعب الصحراوي ضد الاحتلال الأجنبي. نفتح أوراق أحد الملاحم التاريخية التي لم يسبق التحدث عنها مطلقا وطالها الصمت وحتى النسيان، نأتي على ذلك في خضمّ تصدّر أمغالا للواجهة الإعلامية وفي صورة مشوبة بالشكوك والقناعات المضادة، والتي تشير في مجملها إلى أن الأمر مجرد مسرحية دعائية عابرة، تدخل في إطار الأجندة المغربية التي تستهدف أساسا جبهة البوليساريو من أجل تحويلها لدى المجموعة الدولية إلى مجرد “منظمة إرهابية” لديها علاقات مفترضة مع ما يسمى “تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي“، وهو الذي فشلت فيه الترسانة الدعائية المغربية عبر تقاريرها الصحفية المكثفة التي لم تقدم أدنى ملموس ممكن أن يعتمد عليه أو حتى يضع الجبهة تحت طائلة أدنى الشبهات.

..... ..... .....
وقبل أن نخوض في جوانب أمغالا “الثالثة” كما وصفها البعض ممن يقدمون أنفسهم ككتّاب وصحفيين وأصحاب الباع الواسع في التحليل السياسي والأمني، نرى من الضروري أن نكشف واقع ما جرى في أمغالا الأولى والأخرى الثانية في عام 1976. فالمتوفر الآن هو رواية مغربية مكتوبة ومؤرخة على مقاس المخزن، ولا تزال الحقيقة غائبة عن القارئ والمتابع العربي والمغاربي، خاصة أن الجزائر الرسمية لم تعبأ بتلك الروايات المفبركة التي يروج لها “مؤرخون” لا ينظرون للأمور إلا بأعين حولاء تتماوج بين القصرين في الرباط، ولا يزنونها إلا بما يملى عليهم من هنا وهناك، كما أن من صنعوا تلك الملحمة تواروا في الظل ولم تطالهم أشعة الشمس، وسنكشف لأول مرة في تاريخ الجزائر تفاصيل هذه القضية الثورية بإمتياز.

الغدر المغربي في أمغالا الأولى

في نهاية شهر جانفي من عام 1976، وسنة بعد الغزو المغربي للصحراء الغربية في إطار ما سميت بـ “المسيرة الخضراء“، ومع استفحال ظاهرة النزوح الصحراوي بسبب حملة الإبادة الشاملة التي كان ينفذها الجيش المغربي بأمر من الملك الحسن الثاني، وجراء ذلك هبّت الآلاف من العوائل الصحراوية فارّة بجلدها ومن دون أن تتزود بقوت ولا غطاء ولا حتى الشراب، حيث تاهت في رمال وقفار الصحراء فضلت ركوب غبار الموت من أجل الوصول إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف الجزائرية، التي كانت الخيار الأوحد الذي لا ثاني له، لنجاتهم من بطش القوات الغازية والمتعطشة للدماء. وقد أقدمت السلطات المغربية على التصدي لجحافل الفارين والهاربين من القصف والقتل والتدمير، حيث تقوم بنصب الكمائن لهم ومنعهم بقوة السلاح من الفرار من الجحيم نحو تندوف.خلال ذلك كانت جبهة البوليساريو تقوم بعمليات نوعية وحسب الممكن لمساعدة هؤلاء الصحراويين لمغادرة الأراضي المحتلة وبأقل الخسائر، لأن المغرب فضّل حينها دفنهم أحياء في الرمال من أن يبلغوا غايتهم بمخيمات اللجوء.

#الجزائر التي كانت مساعدتها الإنسانية والسياسية والدبلوماسية معلنة وصريحة وليست من وراء الحجب ولا الستائر، لم تتردد في تقديم المساعدة العسكرية لجبهة البوليساريو، وهذا الأمر كان معروفا وليس خفيا. وحسب ضابط سابق في الجيش الجزائري، أن القوات المسلحة الجزائرية ساهمت في مدّ يد العون للصحراويين المضطهدين والذين كانوا في أمسّ الحاجة لمغادرة بيوتهم التي تقصف وتنتهك فيها الحرمات من قبل الجيش الملكي المغربي، ولهذا دخلت كتيبة من الجيش الوطني الشعبي للتراب الصحراوي، وكانت تتكون من 160 فردا (5 ضباط و12 من ضباط الصف والبقية جنود)، يحملون أسلحة فردية وخفيفة من نوع كلاشينكوف وسيمينوف، وهي أسلحة يستعملها الجندي من أجل الدفاع عن نفسه فقط، وليس للقيام بأي عملية هجومية ضد القوات المغربية المتحرّشة بالصحراء الغربية. فلو كانت هناك نية هجوم لاستعملت الطائرات والمدرعات والدبابات والأسلحة الثقيلة، والجزائر كانت خلال تلك الفترة متفوقة عسكريا ومن ناحية التسليح على المغرب.

الكتيبة الجزائرية التي دخلت الأراضي الصحراوية بطلب من قيادتها، هدفها كان إنسانيا بحتا، وهو تقديم مساعدات للشعب الصحراوي، ولهذا لم تلجأ القوات المسلحة الجزائرية إلى تدعيمها بأسلحة ثقيلة، بل حتى عناصر الكتيبة كانوا من جنود الخدمة الوطنية الذين ليس لهم تدريب عسكري كامل بل تدريبهم لم يتعدّ الستة أشهر في ثكنات مخصصة لأداء الواجب الوطني وليست مدراس وكليات عسكرية عليا ومحترفة على غرار الأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة أو المدرسة العليا للقوات الخاصة… الخ.

ويضيف الضابط الجزائري السابق، أنه أثناء تواجد الكتيبة الجزائرية بالأراضي الصحراوية وهي في متوجهة لمعاقل جبهة البوليساريو وبعد أيام قضتها في الطريق الصحراوي، وعندما وصلت منطقة أمغالا تفاجأت بحصار ضرب عليها من طرف القوات الملكية التي كشفت أمرهم، ووقع اشتباك بين الطرفين ونشبت حينها معركة حامية الوطيس دامت يومين كاملين، وكانت القوات المغربية تتفوق على الكتيبة الجزائرية في العدد والعدة والعتاد، وتمّ أسر أغلبية الجنود الجزائريين وفرّ آخرون في الصحراء وماتوا عطشا. تم أسر 99 عنصرا بينهم ضابط إحتياطي واحد وهو السيد باشة نورالدين، عكس ما زعمته وسائل الإعلام المغربية .

الضابط العامل الوحيد الذي قاد الكتيبة لم يتم أسره، فقد رفض الاستسلام للقوات المغربية المهاجمة وتمكن من الفرار نحو الصحراء ومات عطشا، وأيضا 3 ضباط إحتياط آخرين قتلوا اثناء المواجهات.

في اليوم الموالي من العملية مباشرة، أعلنت وزارة الإعلام المغربية عن تفاصيل الحادثة، وراحت تهلل بما وصفته بالانتصار الكبير والعظيم على الجيش الجزائري، وبالغت فيه إلى أبعد الحدود، ولكنها تجاهلت أن الأمر لا يعدو سوى عملية استهدفت عناصر عادية من أبناء الخدمة الوطنية كانوا بصدد مهمة إنسانية وليست عسكرية كما زعم حينها القصر الملكي.

السلطات المغربية استغلت الواقعة حينذاك، وكعادتها دائما في تقليب الحقائق وفق أجندة خاصة بها، وراحت تروج لها من أجل أن تبرز للرأي العام الدولي من أن الجزائر قد أعلنت عليها الحرب، ومن جهتها اعترفت الجزائر بتغلغل كتيبة من القوات الجزائرية في الأراضي الصحراوية وليست المغربية وهذا من أجل تقديم يد المساعدة للشعب الصحراوي، وحدث ذلك بطلب من جبهة البوليساريو بصفتها معترف بها كممثل شرعي ووحيد للصحراويين، ولهذا فدخول كتيبة الجيش الوطني الشعبي إلى الصحراء الغربية لا يمكن أن نعتبره خرقا للأراضي المغربية المعترف بها دوليا. وفي السياق نفسه أكدت الجزائر رسميا من أن القوات المغربية قد أسرت عددا كبيرا من أفراد تلك الكتيبة.



ملحمة أمغالا الثانية التي يخجل منها القصر الملكي

الرئيس الراحل هواري بومدين لم يكن من طينة الرجال الذين يغضّون الطرف عن مثل هذه الحوادث الكبرى، ولا هو ممن يتخلون عن رعاياهم ويستسلمون للغدر ويجعلونه قضاء وقدرا لا يمكن التصدي له، وهذا الذي يجمع عليه من عايشوه وكانوا مقربين منه. فقد اعتبر هجوم القوات الملكية المغربية على الكتيبة الجزائرية هو الغدر بعينه، وخاصة أن هذه الكتيبة في مهمة إنسانية نبيلة ولم تكن مسلحة بالقدر الذي يمكن أن تتجرأ على مهاجمة قوات نظامية محتلّة ومدججة بأسلحة ثقيلة وأخرى فتاكة. فقرر أن يرد الصاع صاعين على القصر الملكي، ولهذا هيأ خطة للأخذ بالثأر أشرف عليها شخصيا وتابع فصولها بنفسه.

انتقل الرئيس هواري بومدين إلى مدرسة القوات الخاصة “الكومندوس“، وطلب من قيادتها اختيار أحسن العناصر الذين يمكن أن يعوّل عليهم في مهمة خطيرة وثقيلة، لا خيار ثالث فيها بين الموت أو الحياة. كما طلب الرئيس فقد جرى اختيار أفضل العناصر من الناحية البدنية والعسكرية والإنضباط ، وتمّت مضاعفة قدراتهم بتدريبات استثنائية وكثيفة على مدار 15 يوما لا ينامون إلا قليلا. وبعدما أظهروا براعتهم وإمكانياتهم الميدانية والتطبيقية العالية، نقلوا إلى ولاية تندوف على جناح السرعة، وقد تابع الرئيس هواري بومدين شخصيا مرحلة التدريب التي خاضتها الفرقة الخاصة، وقد حدد لها هدفا معينا ويتمثل في أسر ضعف ما أسره المغاربة، قائلا لهم: “حتى يساوي الجزائري مغربيين اثنين وإلا لن يهنأ لي بال“.

خلال ذلك قام بتكليف العقيد محمد الصالح يحياوي بالإشراف على تنفيذ العملية ومتابعتها حتى النهاية، الذي لديه تجربة عسكرية في تندوف وقاد أيضا الأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال وعضو في مجلس الثورة، والتعيين هذا هو أكبر دليل على مدى أهمية العملية لدى الرئيس الراحل هواري بومدين.

قبل الشروع في الهجوم غادر الرئيس التراب الجزائري متوجها للجماهيرية الليبية وذلك في منتصف شهر فبراير1976، وفي تلك الليلة تم تنفيذ الإغارة على فيلق مغربي يتجاوز عدد عناصره 350 فردا كانوا مدججين بشتى أنواع الأسلحة، حيث تمّ الفتك بعناصر الحراسة ومجموعة الخفارة، وانقضّت الفرقة الخاصة للكومندوس الجزائري على بقية الفيلق الذين كانوا يغطّون في نوم عميق بخيماتهم، جرى تدميره كاملا ولم ينجو منه أحد حيث تمّ أسر ما يقارب 250 فردا من مختلف الرتب، أما البقية فقد لقوا حتفهم أثناء الهجوم. في حين لم يمس الجانب الجزائري ولو بخدوش بسيطة وعابرة.




فزع الملك الحسن الثاني عندما تلقى نبأ الكارثة التي وقعت لجيشه، ولتوّه أبرق رسالة للرئيس هواري بومدين، طالبا فيها المبادرة بالإعلان الرسمي عن الحرب بين البلدين أمام الرأي العام العربي والدولي.استهزأ الرئيس هواري بومدين من برقية الملك المغربي، واكتفى الرد العملي الجزائري بنشر رسالة الملك كاملة على صفحات الجرائد الوطنية، والهدف الأول والأساسي من ذلك هو إعلام الرأي العام الوطني من خلال محتوى برقية الملك الحسن الثاني، أن الجيش الوطني الشعبي أخذ بثأر الكتيبة التي غدر بها قبل أيام، ومما إعترف به الحسن الثاني أنذاك أن كمندوس جزائري أغار على فيلق مغربي ليلا وقام بإبادته وأدى ذلك في وقوع “عشرات الجرحى والقتلى من أبنائه” على حد تعبير الملك المغربي، والذي تحدث أيضا بلغة المنكسر عندما ختم رسالته طالبا من الرئيس بومدين أن يعمل من أجل تجنيب البلدين مأساة أخرى، وفي الوقت نفسه أظهر إستعداد للسلام وفق ضمانات دولية، والأهم هو طلبه بأن يعلن بومدين الحرب صراحة على المغرب.

لم يكلّف الرئيس هواري بومدين نفسه عناء الرد الرسمي على الملك المغربي الحسن الثاني، إذ اكتفت وكالة الأنباء الجزائرية بمجرد شبه ردّ مقتضب، مما أشار إليه وأكده بإختصار، أن المشكل قائم بين المغرب وجبهة البوليساريو، وإذا أراد المغاربة معرفة هوية الذين أغاروا على فيلقهم وفتكوا به، ما عليهم إلا اللجوء لجبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، من أجل أن تزودهم بما حدث في أمغالا الثانية.

بالنسبة للرأي العام الدولي، لا يمكن مطلقا أن تتهم الجزائر بالعدوان على المغرب كما يريد هذا الأخير، باعتبار أن رئيس الدولة هواري بومدين كان خارج التراب الجزائري، كما هو معلوم أنه لا يمكن القيام بعملية عسكرية بهذا المستوى في غياب الرئيس. وبالتالي من غير المستقيم والسليم في العرف العالمي، أن يحكم المجتمع الدولي على الجزائر من أنها شنّت عدوانا على جيش جارتها المملكة المغربية. وهذا ما كان يريده الرئيس هواري بومدين عندما غادر الجزائر بيوم قبل تنفيذ العملية، وهو دهاء لا مثيل له من رجل حرب محنك عايش حقبة ثورة التحرير كقائد ميداني وبعدها صنع صيتا سياسيا للجزائر لا يمكن تخيله أبدا، وهو الذي يعترف له به الأعداء قبل الأصدقاء.

لقد نجحت العملية بدرجة فاقت توقعات مهندسها الرئيس الراحل هواري بومدين، وتحقق ما يصبوا إليه من أسرى فضلا عن الرعب الذي دبّ في أوساط القوات المغربية بالصحراء الغربية التي صارت تعيش كابوسا حقيقيا زادته حدّة ضربات جبهة البوليساريو المتتالية، ولم يذق الجيش المغربي طعم الراحة إلا بمعاهدة وقف إطلاق النار كما إعترف بذلك ضباط وعسكريون سابقون.

نذكر للتاريخ، أنه لما طلب الملك الحسن الثاني الإعلان الرسمي عن الحرب، سخر منه الرئيس هواري بومدين في خطاب ألقاه بتاريخ 24 فبراير 1976 بمناسبة الذكرى الخامسة لتأميم المحروقات، حيث قال باستهزاء: “لقد طلب منا ملك المغرب الإعلان الرسمي عن الحرب وكأنه يعتقد أن الحرب مباراة كرة قدم، فالحرب أصعب من ذلك بكثير ولا يعرفها الملك لأنه لم يخض حربا مثل التي خضناها طيلة سبع سنوات ضد رابع قوة عالمية“، وأضاف أيضا: “الحرب ليست لعبة صبيان” وهكذا ختم الرئيس الراحل حديثه في الموضوع.

وبذكائه المعهود والمعروف والشائع عنه، وبلهجة الهامس في أذن الملك المغربي، حتى يشعره بأن عملية أمغالا الثانية هي من صنع الجيش الجزائري، وخاصة أن الرئيس كان يعلم بمدى المهانة التي أحسّ بها الملك من خلال تلك الصفعة الرهيبة التي ظل يخجل منها لاحقا ويتحاشاها ولو بحديث عابر، قال الرئيس هواري بومدين: “يتكلمون عن أمغالا الأولى ولما لم نتكلم عن أمغالا الثانية“، واكتفى بذلك الإيحاء فقط من أجل أن يبرهن أن العملية كانت درسا للجيش الملكي لا يمكن أن تمحى بتزوير الحقائق ولا بالتجاهل والإنكار. ولا يزال ليومنا هذا كتّاب التاريخ على مقاس حذاء الملك لم يهضموا الحادثة، ولا تزال تشكل عقدة نفسية رهيبة ومخجلة لدى القيادات العسكرية المغربية، وتتوارثها من جيل لآخر حتى يومنا هذا، بل حتما ستبقى تلاحق الجيش المغربي إلى الأبد.

عندما ساوى الجزائري مغربيين في ليلة القدر

إن الجزائر لم تعترف علانية بهجوم أمغالا الثانية، ولكنها بذلت جهودا جبارة وعبر قنوات مختلفة لإطلاق سراح الأسرى الجزائريين الذين جرى أسرهم في أمغالا الأولى. وبعد سنوات طويلة من الشدّ والمدّ، أبرم الاتفاق بين البلدين، حيث تمّ تبادل الأسرى على الشريط الحدودي بين الجزائر والمغرب، في25 ماي 1987 الموافق لليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم 1407 هجري، وخضع حينها المغاربة مكرهين إلى ما أراده وخطط له الرئيس الراحل هواري بومدين في حياته، حيث ساوى جزائري بمغربيين وزيادة، ظهر ذلك واضحا وجليا أثناء عملية التبادل فتم تسليم ما يقارب 250 اسير مغربي مقابل 102 من الجزائريين.

اكتفت السلطات الجزائرية بمنح امتيازات للأسرى الذين تمّ تحريرهم، وتتمثل في السكن والمتاجر وأجر كامل كتعويض عن سنوات تواجدهم في غياهب سجون الحسن الثاني، في حين أن السلطات المغربية من جهتها عملت على إبراز أسراها إعلاميا في إطار أجندتها الرامية لإقناع الرأي العام الدولي بأن الجزائر أسرت جنودا وضباطا مغاربة في إطار حرب غير معلنة، وقد ظهر الأسرى في القنوات التلفزيونية والصحف والإذاعات بطريقة مكثفة، ولكن بمجرد أن بادر هؤلاء الأسرى بطلب امتيازات اجتماعية عادية سدّت في وجوههم كل أبواب أجهزة الإعلام الرسمية وطويت صفحتهم إلى أجل غير مسمّى.

إذا كانت أمغالا الأولى قد صبّت في أقداح المغرب وكانت في صالحه عندما حقق مبتغاه في أسر جنود جزائريين من عناصر الخدمة الوطنية، وكثر عليها الحديث وسال الحبر بصورة رهيبة. فإن أمغالا الثانية الحقيقية وليست المزيفة، كانت في صالح الجزائر أضعافا مضاعفة وجرى أسر ضباط وصف ضباط وجنود عاملين في الجيش الملكي، غير أنها لم يسيل لها الحبر ولو بقطرة واحدة، ولا يوجد من كتب في العملية أو بحث في أغوارها، والسبب بسيط جدا وهو أن مهندسها الرئيس الراحل هواري بومدين رجل يؤمن بالأفعال وليس بالأقوال كما ظل يردد مرات عديدة، فضلا من أن الهدف هو تحرير السرى وفق مقاربة حددت معالمها تنبع أساسا من تحدي بومدين للحسن الثاني في محطات كثيرة ومختلفة.

ويكفي دلالة على ذلك أن الملك الحسن الثاني لم يتمكن من زيارة العيون ولم تطأ قدماه تراب المدينة التي يزعم أنه حررها من الإسبان ثم إسترجعها في مسيرته الخضراء، إلا بعد وفاة الرئيس هواري بومدين رحمه الله. وقد تحدّى الملك الحسن الثاني علانية، أنه سيشرب الشاي بالعيون في إطار الخطاب المخزني المعروف والذي يستهدف دوما الجزائر على موقفها المبدئي من القضية الصحراوية ودعمها المعلن لجبهة البوليساريو بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي، فردّ بومدين بمقولته المشهورة وهو يؤمن بالشخصية الصحراوية التي ترفض الإستعمار مهما كان نوعه: “إذا شربت الشاي في العيون فسأعطيك شنباتي نعناع“.


قائمة الأسرى الذين حررتهم أمغالا الثانية

والأسرى الجزائريين الذين تمّ تحريرهم كان عددهم 102 حيث إلى جانب 99 الذين أعتقلوا في أمغالا الأولى جرى تحرير 3 مساجين آخرين، والمعنيين بالأمر الذين تنشر اسماؤهم لأول مرة هم كالتالي: عاشور محمود، بشّه نورالدين، حويشي محمد، حبيب أعميروش، نحيلة بوحفص، آيت قاسي عبدالرحمان، عموري حسين، بن رخروخ محمد، بن زعرة رزوق، بواصطية محمد، جابري محمد، قرزو عبدالكريم، كيزان عبدالله، علمي عمر، سعودي محمد لمين، بن سليمان الطاهر، بوزيان بن سالم، بوزيان العمري، طالحي الحاج، ياحي محمد الطاهر، بوقواصى الطيب، بن مريم بن زروقي، بن صالح عبدالقادر، بوقرة محمد، بويكن باهي اعمر أحريز، فرحات سليم، خنفوسي عامر، مباركة رشيد، ملياني أرزقي، مفلاح أحمد، مناد العربي، موساوي أحمد، أوقيدة محمد، زويش عبدالقادر، زرقي محمد، عبدادي أحمد، عبدون علي، عدمي عبدالقادر، علالي محمد، عميرش محمد، عربوش عبدالقادر، بدري رمضان، بهادي مبروك، بقادي محمد، براكشي أحمد، بشيبشي محمد، بشيري لخضر، بلحاج عبدالرحمان، بن عبدالله محمد، بن دريسي عبدالقادر، بن سعادة العربي، بن دحمان مصطفى، مفتاح بلحرش، مسعودي محمد الصالح، مليح الجيلالي، محمدي عبدالله، موهب أعمر، مومني محفوظ، نسيب علي، أوبلعيد محمد، رباط أحمد، رحال إبن حنبل، صالحي أحمد، سعود محمد العيد، سيراط بكار، قمني العيد، طاسيدا بلعيد، تكسانة زهير، توالميت حمو، طراد لحباسي، بوساري محمد، زامبو مبروك، روابح علي، نمير الحاج، جوبالي مبروك، بن تركي عبدالقادر، بربوشي محمد، بوشراق الشريف، بودلال عبدالقادر، بوزدي محمد، شعشوعة إبراهيم، شيلا رشيد، جعفري علي، جيدل علي، ضياف محمد، ديالم بن يوسف، ذويبي نواري، فكراوي عبدالباقي، فغول أرزقي، غزيوي رمضان، حماني أحمد، حمدي صافي، قداش لخضر، كحلي عبدالقادر، خالدي عبدالسلام، خدران محمد، كوبيتي جلول، لبيود محمود، لعلام عبدالقادر، العربي ناصر، محبوط إبراهيم، منصوري محمد.
من جريدة الاهرام المصرية
 


بعد كل إشراقة شمس يوم جديد على العاصمة البيضاء، وإسدال ستار ليل، يكون مسجد الجزائر الأعظم قد تقدم خطوات عملاقة نحو تحقيق أبعاد هذا القطب الديني والثقافي والمعماري الذي سيشع نورا وضياء عن قريب بإذن الله ، هذا التقدم لا محالة يجري تحت أعين السلطات العليا في البلاد، وعلى رأسها رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة الذي يولي اهتماما وعناية شديدة بهذا الصرح الديني الفخم ....
رغم البلبلة، إذن مشروع الجزائر سيكتمل حتى النهاية وسيصلي فيه الجزائريون بإذن الله ....كل مراحل تاريخ الجزائر تعلمت بمسجد، لما طردنا الأسبان من وهران أجدادنا بنوا مسجد الباشا في وهران، ولما أقيمت الدولة العثمانية بنوا مسجد كشاوة، ولما كانت قبلها الدولة المرابطية بنوا لنا الجامع الكبير وجامع ندرومة في تلمسان اللذين يحملان هندسة واحدة ومتطابقة، تاريخ الجزائر يضع معالم للمراحل والأمجاد والقرآن الكريم يشير إلى ذلك في الآية “واتخذوا عليهم مسجد”، المسجد يعلم تاريخ الجزائر، بعد الاستقلال أين المعلم الذي يرمز بأن الجزائر طردت الاستعمار، يوجد المكان الذي غرق فيه اسطول شارلزكان سنة 1542، يوجد المكان الذي عجزت فرنسا الدخول منه، يوجد المكان الذي قتل فيه “لوديغ دو روفيغوا” عشرة آلاف شخص، ويوجد مكان “الكاردينال لافيجري” الذي بنى فيه كنسية الآباء البيض، هؤلاء الخمس الذين سميتهم موجودون في المحمدية.
الاسم الرسمي هو جامع الجزائر، حينما نقول جامع الجزائر لا يعني العاصمة، إنما جامع الجمهورية الجزائرية، لم نحبذ القول جامع الجمهورية لان مصطلح الجمهورية جديد بالنسبة للجزائريين، هو مشروع الرئيس الراحل هواري بومدين، لكن لم تأتي المناسبة لكي ينجز، وحينما ترأس الرئيس بوتفليقة البلاد، عرضنا عليه الفكرة، أعجبته كثيرا، لكنه أصر على أن يكون نموذجا كبيرا يأخذ بعين الاعتبار الجانب الحضاري، في نفس الوقت الجزائر تتميز بالمسجد، مسجد الجامع الكبير من عهد المرابطين ثم جامع كشاوة يمثل العهد التركي، وبما أننا ننعم اليوم بالاستقلال وجب التأريخ له بمسجد، إذا جامع الجزائر يؤرخ لاستقال الجزائر، للدولة الجزائرية الحديثة التي استرجعها المجاهدون وسالت عليها دماء الشهداء، هذا الصرح المعماري الكبير يمثل عنوانا للدولة الجزائرية الحديثة الدينية. ... جامع الجزائر عبارة عن مركب حضاري كبير جدا، لا يقاس بعدد المصلين، ولكن يقاس بالبعد الحضاري للدولة الجزائرية المستقلة.  المسجد الأعظم الذي بني بأكبر منارة في العالم، تعطي مؤشرات ودلالات قوية، بالنظر لاختيار المكان والتاريخ الذي تزامن مع إحياء ذكرى اندلاع الثورة التحريرية، خاصة أن الرئيس أراد من هذا المشروع أن يكون صرحا قويا مخلدا للشهداء، لا سيما أن تشييد المسجد الأعظم يعتبر معلما فنيا يجمع بين الأصالة والحداثة ويبرز الثقافة الإسلامية والهوية الجزائرية، حيث أكد الرئيس على أن المشروع، تقرر بناؤه وفاء لتضحيات الشهداء الأبرار، وتخليد عهد الاستقلال واسترجاع الدولة الجزائرية، وهو ما يجعل من هذه الزيارة ذات أبعاد سياسية، بالنظر للهجمة التي تعرض لها المسجد من قبل الفرنسيين، في وقت تخوض فيه الجزائر حربا باردة مع السلطات الفرنسية التي صعدت من هجومها على رموز الثورة في الفترة الأخيرة، إضافة إلى ذلك حملت هذه الزيارة دلالات عدة، خاصة بعد أن مر المشروع بصدمات عطلت تقدم الأشغال فيه، واستنفرت بعض الجهات الأجنبية التي أرادت التشويش على مشروع الرئيس، خاصة بعد أن أوكلت مهمة استكماله إلى الشريك الصيني عقب سحب المشروع من الشركة الألمانية، ولقى هجوما من مسؤولين ألمان وفرنسيين، لا سيما أن شركة فرنسية كانت تريد وضع يدها على المشروع.... سيكتمل المشروع بإذن الله ، وسيصبح مأثرة لجزائر الاستقلال وسيكون جوهرة عقد خليج الجزائر، وسينسي الجزائر في “دوفوكوا” وسينسيها في “لافيجري” و”لوديك دو روفيغوا” الذي هدم كشاوة، وسينسي محاولات طمس الهوية الجزائرية، خاصة أن المسجد لم يبن بطريقة تقليدية ولكن بمقاييس حضارية حداثية تأخذ من التراث الإسلامي العريق وتعطي تصورا مستقبليا وكل الهياكل وطريقة تسييره يجعله مدرسة مستقلة....

المصدر - جريدة الحوار "مسجد الجزائر الأعظم.. القصة الكاملة"

SUR LA TERRE ERRANTE


Quand la nuit se brise,
Je porte ma tiédeur
Sur les monts acérés
Et me dévêts à la vue du matin
Comme celle qui s'est levée
 
Pour honorer la première eau...
Pourquoi erres-tu avec ton cri,
Femme, quand les souffles
De l'aube commencent
A circuler sur les collines ?
 
Moi qui parle, Algérie,
Peut-être ne suis-je
Que la plus banale de tes femmes.
Mais ma voix ne s'arrêtera pas
De héler plaines et montagnes ;
 
Je descends de l'Aurès,
Ouvrez vos portes,
Epouses fraternelles,
Donnez-moi de l'eau fraîche,
Du miel et du pain d'orge ;
Je suis venue vous voir,
Vous apporter le bonheur,
A vous et vos enfants ;
Que vos petits nouveau-nés
Grandissent,
Que votre blé pousse
Que votre pain lève aussi
Et que rien ne vous fasse défaut,
Le bonheur soit avec vous
 
 
 

Mohammed Dib

Mohammed Dib ( 21 July 1920 – 2 May 2003) was an Algerian author. He wrote over 30 novels, as well as numerous short stories, poems, and children's literature in the French language. He is probably Algeria's most prolific and well-known writer. His work covers the breadth of 20th century Algerian history, focusing on Algeria's fight for independence.

إلى فلسطين سيراً على الأقدام : صورة من جهاد الجزائريين في فلسطين سنة 1948م
  فلسطين في القلب الجزائري

 عندما كان والدي ـ يرحمه الله ـ يتابع نشرات الأخبار عن قضية الشرق الأوسط ولاسيما خلال الأعوام 1967م، و1973م، و1982م··· كنا نراه يتنفض قهراً ويردد مغتاظاً العبارة التالية:
 >لقد قاتلنا اليهود في فلسطين بصدق وبشجاعة وببطولة نادرة العام 1948م، ولولا الخيانة لما استطاع اليهود هزيمتنا، لقد كنا نهاجمهم ليلاً في حصونهم، وفي الصباح نذهب لاستطلاع مواقعهم فنجدهم صرعى ومربوطين بالسلاسل خوفاً من الفرار ومن حرارة اللقاء··· في >سمخ< و>طبرية< و>صفد<··· وفي سهل >الحولة< بالقرب من بحيرة >طبرية<، وأخيراً في >الناقورة< و>بنت جبيل< و>الخيام< و>المطلة<··· التي جرحت فيها بشظية، واستشهد بالقرب مني النقيب الشامي >أنور القدسي< ـ يرحمه الله ـ آمر فوج المغاربة<·
 وفي هذه الصفحات المختصرة تلخيص لمشهد من مشاهد الجهاد الجزائري في فلسطين العام 1948م، نقلته عن والدي >محمود بن علي عيساوي التبسي الجزائري< ـ يرحمه الله ـ وعن صديقه المجاهد الصادق >قصري< الشهير بـ>عبدالحفيظ التبسي الجزائري<، رئيس فوج الجزائريين في فلسطين، وصديقه >صالح مناح التبسي< الجزائري الذي سمعته يتكلم عن جهاده في فلسطين أيضاً·
 وكان فوج المغاربة >المغرب ـ الجزائر ـ تونس ـ ليبيا< مكوناً من نحو مئتي عنصر، تجمعوا في معسكر >الملك فاروق< في قرية >السلوم< المصرية تحت إمرة الجامعة العربية· وقد أرفقت المقال بما بقي لديهم من وثائق وأرشيف ونياشين وأوسمة بقيت مدسوسة تحت التراب في أثناء الاحتلال الفرنسي، مع بعض الصور الفوتوغرافية القديمة لهم·
 وقد آثرت أن تنشر هذه المذكرات المختصرة في >مجلة الوعي الإسلامي< الغراء، التي لها الفضل العظيم في التعريف بقضية فلسطين وتبنيها لها خلال مسيرتها الأربعينية·
 وقد تسنَّى لي جمع بعض الوثائق والصور الفوتوغرافية وبعض الأوسمة والنياشين الموجودة عند والدي، وصديقيه >عبدالحفيظ قصري<، و>صالح مناح< يرحمهم الله·
 أخبرني والدي وصديقه >عبدالحفيظ قصري< بالأحداث كما يلي:
 دوافع جهاد الجزائريين
 يمكن تلخيص الدوافع الحقيقية التي دفعت الجزائريين للجهاد في فلسطين بالعناصر التالية:
 1 ـ مناخ القهر الاستعماري المسلط على الشعب الجزائري الذي فرضته قوانين الردع الزجري الاستعمارية·
 2 ـ نشاط الحركة الصهيونية العالمية المكثف بين يهود الجزائر، وحضها على مساعدة اليهود في فلسطين لإقامة كيانهم التوراتي·
 3 ـ الشعور القومي المتنامي لدى الجزائريين تجاه إخوانهم في المشرق العربي بعامة ولفلسطين بخاصة·
 4 ـ الشعور الديني لدى الجزائريين بأهمية القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين·
 5 ـ حملات التوعية والتعبئة التي كان يقوم بها مناضلو حزب الشعب الجزائري ذي النزعة الاستقلالية التحررية والتوجه العربي الإسلامي بين صفوف الشعب الجزائري·
 6 ـ حملات التوعية والتعبئة المعنوية والدينية التي كانت تقوم بها >جمعية العلماء المسلمين الجزائريين<، ولا سيما الشيخان >محمد البشير الإبراهيمي ت 1965م<، و>العربي التبسي ت 1957م< رئيسا الجمعية، بخطبهما ودروسهما ومقالاتهما الحماسية في جريدة >البصائر< الأسبوعية الناطقة باسمهما·
 7 ـ اكتشاف فرنسا لخلايا التنظيم السري للمنظمة السرية للوحدة والعمل الجزائرية الجناح العسكري لحزب الشعب الجزائري أواخر العام 1947م، الذي كان والدي وأصدقاؤه من النشطاء فيها، وملاحقتها لهم· 8 ـ يأس الجزائريين من وعود الاستعمار، بعد مشاركتهم الفاعلة في الحرب العالمية الثانية للدفاع عن فرنسا وحصدها لآلاف الجزائريين المحتفلين بعيد الانتصار على الدكتاتوريات وانتصار الديموقراطية يوم الثامن من مايو 1945م قتلاً وتنكيلاً·
 9 ـ حال الفراغ واليأس التي كان عليها الشعب الجزائري ولا سيما فئة الشباب منهم· 01 ـ محبة الجزائريين لإخوانهم في المشرق العربي، ورغبتهم الأكيدة في التعبير عن مشاركتهم لهم في الخطوب والملمات·
 الخروج من >تبسة< ليلاً
 لما اندلعت الحرب في فلسطين العام 1948م، بدأت تتوارد الأخبار إلى الجزائر عبر الصحف والإذاعات عن وحشية اليهود، وبطشهم بسكانها العرب الفلسطينيين، وتنكيلهم بالقرى العربية الفلسطينية الآمنة·· انطلقت الأصوات الجزائرية الحرة عالية من قادة ومناضلي حزب الشعب الجزائري ومن شيوخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في المهرجانات الشعبية وفي المجالس الخاصة وفي المساجد وفي الصحف الحزبية بضرورة مؤازرة إخواننا العرب المستضعفين في فلسطين، وأفتى يومها الشيخ الجليل عالم القطر الجزائري وفقيهه العربي >التبسي الزيتوني الأزهري< بوجوب الجهاد في فلسطين على كل جزائري وجزائرية، لأن من واجبات جميع المسلمين الدفاع عن أرض المسلمين كلها، وحيثما وجد مسلمون مستضعفون وجب النهوض للجهاد والدفاع عنهم ونصرتهم·
 وبتلقائية قومية منقطعة النظير، وبحماس ديني لنصرة القدس الشريف، اجتمع ليلة السابع عشر من شهر مايو 1948م، ثلة من الشباب >التبسي< الجزائري الثائر في ضاحية من ضواحي مدينة >تبسة< الجبلية الوعرة، ووقف فيهم قائدهم الشاب >عبدالحفيظ قصري< يقرأ عليهم فتوى الشيخ >العربي التبسي< بإلزامية وجوب الجهاد في فلسطين، وبوجوب نصرة أهلها، وليلتها تعاهد أولئك الفتية على الجهاد في سبيل الله والذهاب إلى فلسطين ولو سيراً على الأقدام·
 ومن دون احتفالات التوديع وبهارج الزينة، وحرارة وداع الأهل والأصحاب، وكذلك من دون أي وسائل مادية، ولا وسائط نقل بدائية، أو حديثة، انطلق أولئك الشباب المؤمن ليلاً عبر الدروب الوعرة باتجاه الحدود التونسية التي كانوا يعرفونها جيداً أيام جنديتهم مع فرنسا في الحرب العالمية الثانية، يكمنون في النهار، ويسيرون في الليل، حذرين من مراكز المراقبة الاستعمارية، ومن عيون فرنسا وجواسيسها الخونة، ومن نشاط الحركة الصهيونية الكثيف لمراقبة المتطوعين العرب باتجاه فلسطين، ومع حذرهم المفرط وقع بعضهم في قبضة الإدارة الاستعمارية في الحدود التونسية ـ وحكوموا بتهمة اجتياز الحدود من غير رخص ووثائق رسمية، ووضعوا في السجن ولك يطلق سراحهم حتى العام 1950م ـ واعتقلوا حيث وشت بهم عين جزائرية مأجورة، وأمام هذا الحدث الخطير، قررت الجماعة السير جنوباً باتجاه الصحراء عبر الحدود التونسية الجزائرية إلى منطقة >شط الجريد< بعيداً عن أعين المراقبة الاستعمارية من جهة، وضماناً لخط السلامة الآمن إلى فلسطين·
 ليلة في >شط الجريد<
 تقرر السير جنوباً باتجاه الصحراء لضعف الرقابة الاستعمارية من جهة، ولصعوبة تنقل الآليات العسكرية الاستعمارية لعمليات المتابعة والملاحقة فيها من جهة ثانية، ولشهامة قبائل الصحراء ولا سيما اتباع الطريقة >السنوسية< وتقديرهم للجهاد وحماية المجاهدين العرب المتجهين إلى فلسطين من جهة أخرى، وفي ليلة الحادي والعشرين من مايو، قرروا قطع >شط الجريد الملحي<، الذي سيفضي بهم مباشرة إلى الحدود الليبية جنوباً، وساروا ليلتهم القمرية تلك مسرعين تارة، وسابحين تارة أخرى، ومتدافعين تارة ثالثة· يخبون السير أحياناً، ويرملون أحياناً أخرى، ويعومون في الماء المالح تارة أخرى، ويقفزون عبر الماء المالح وصخور الملح تارة بحسب سماكة وكثافة الملح والماء، مجابهين شدة الملوحة بأجسادهم الندية·
 وقد اعترضتهم في تلك الليلة المقمرة ملاحقة الطائرات الاستطلاعية الفرنسية التي كانت تبحث عنهم، مما اضطرهم بعض الأحيان إلى الغطس والاختفاء في الماء المالح، وفي الجيوب المائية الغائرة، التي كادت تودي بحياتهم لولا فضل الله ومهارتهم في السباحة، وما كاد الفجر يبزغ حتى وصلوا إلى شاطئ الأمان وأجسادهم مخضرة بعد أن أكلتها أملاح الشط· وما أن وصلوا إلى شاطئ >الجريد< الآمن حتى أووا إلى كهف ملحي في سلسلة جبلية كلسية جافة كانوا يعرفونها أيام انسحاب الألمان من ليبيا وتوزيعها السلاح على الجزائريين الذين عملوا معها أواخر العام 1943م، وناموا يومين وليلتين جراء الإعياء وحروق الملح· وتقرر الجماعة أن يبحثوا عن دليل يوصلهم عبر الشريط الصحراوي جنوباً إلى مدينة >مرسى مطروح< أو >السلوم<، وانتخب لهذه المهمة والدي الذي كان يحمل مسدساً ألمانياً من بين سائر أفراد المجموعة احتفظ به منذ أيام الحرب العالمية الثانية، واتجه إلى مضارب البدو، وهناك اتفق مع دليل ليوصلهم عبر الخط الداخلي مقابل أن يمنحه مبلغاً مغرياً من المال ادَّعى أنه موجود عند أصدقائه، بالإضافة إلى المسدس الألماني ذي المقبض البني أيضاً، وطلب الدليل مهلة إلى الغد ولكن والدي عاجله بطلب الذهاب معه للتو خشية أن يغريه طمعه فيشي بهم إلى الإدارة الاستعمارية مقابل دراهم معدودة، ولتمرسه في عيون وجواسيس الاستعمار·
 خدعة الدليل ومواجهة الموت
 التحق والدي بالجماعة ومعه الدليل وبعيره المحمَّل بقرب الماء وبالتمر والخبز البدوي، وانطلقوا ليلة الثامن والعشرين من شهر مايو 1948م يقودهم الدليل يسيرون ليلاً ويكمنون نهاراً، لا يتكلمون ولا ينبسون ببنت شفة في ليل الصحراء الصامت الذي ربما تفضحهم مناجاة أي أحد منهم لأخيه، مكتفين بالإشارات والإيماءات والحركات، واجتازوا الصحراء الليبية بعيدين عن المدن والقرى والتجمعات السكانية عبر الخط الصحراوي الداخلي، الذي كان يرتاده العرب قديماً للوصول إلى مصر والشرق والحجاز، وبعد طول عناء دام سبعة عشر يوماً وليلة، إذ يفاجئهم الدليل بأن الطريق مازال بعيداً، وأنه قد نسي آثار الطريق القديمة، بعد أن نفد منهم الماء والزاد ونال منهم العناء والضجر، وبينما الجماعة منشغلة في حمأة الحوار بعد كذب الدليل، وبينما هم في مناجاة خفيفة حول ما استجد لهم، انسل الدليل من وسطهم هارباً، وتناهى في أثنائها إلى سمعهم تقطعات أصوات غائرة لنباح كلاب أو عواء ذئاب لم يستطيعوا تفسيرها وتحديدها بدقة وكان الدليل قد وصل بهم فعلاً إلى جنوب مدينة >مرسى مطروح< المصرية ـ واتجه نحو مناخ البعير ليأخذه، وهناك قبض عليه والدي بعد أن هدده بأن يطلق عليه النار ويرديه قتيلاً فعاد مسرعاً، وهناك انتحى به والدي جانباً وقال له: >اعلم بأني سأقتلك رمياً بالرصاص أمام الجماعة، ثم نواجه مصيرنا لوحدنا بعد أن نكون قد تخلصنا منك، وعلى كل حال فنحن خارجون لفلسطين للموت في سبيل الله، فإن متنا اليوم فنحن شهداء في فلسطين وفي سبيل الله<، ولما أحس جدية كلام والدي قال له: >أنا أيضاً عربي ومسلم مثلكم، وأحب فلسطين، ولن أغرر بمسلمين عرب مثلي<، ولكنه ـ وللأسف ـ قال هذا الكلام بعد أن أذعن لصوت السلاح، فأوصلهم إلى مضارب بدو ليبيين فأكرموهم وأحسنوا وفادتهم، وعندها سلَّم والدي مسدسه الألماني للدليل ثمناً لرحلته الدؤوبة معهم، التي قاربت العشرين ليلة، وقال له هذا هو ثمنك ولا نملك غيره·
 وبعد انصراف الدليل بقليل، داهمت القوات البريطانية مضارب البدو وأخذت أفراد الجماعة أسرى إلى معسكر بريطاني بالقرب من الحدود الليبية المصرية، وفي المعسكر البريطاني طالتهم حملة التحقيق والتعذيب لمعرفة مقصدهم، ولكن الفتية أصروا على أنهم جاؤوا حاجين إلى بيت الله الحرام، وطلب العلم في الجامع الأزهر، ولكن الإدارة الاستعمارية البريطانية تحفظت عليهم تمهيداً لتسليمهم إلى الإدارة الاستعمارية الفرنسية·
 وبعد إقامة أيام في المعسكر البريطاني في >السلوم< قرر والدي واثنان من صحبه الهرب من المعسكر باتجاه الحدود المصرية لأنهم سمعوا من بعض المساجين أن من فر إلى الأرض المصرية ودخل ثكنة >الملك فاروق< في >مرسى مطروح< لا تطاله القبضة الاستعمارية، وتشاء الإرادة الإلهية أن يفر والدي وصديقاه >عبدالحفيظ قصري< و>صالح مناح< في شاحنات القمامة والنفايات ويلتحقون بمضارب >أولاد علي< الليبيين الذين أوصلوهم إلى مضارب >أولاد علي< المصريين، ومنها إلى ثكنة الملك >فاروق< في >مرسى مطروح<·
 شهر في ثكنة الملك >فاروق< في >مرسى مطروح<
 ومعسكر الملك >فاروق< في الأصل ثكنة إنجليزية بُنيت خلال الحرب العالمية الثانية في منطقة صخرية صلدة صحراوية، خصصتها جامعة الدول العربية كمعسكر لاستقبال المتطوعين المغاربة إلى فلسطين، وفيه أقاموا شهراً يتدربون على السلاح وفنون القتال، وترديد ولاء الطاعة للملك >فاروق<، ومن طريف ما جرى لهم في ذلك المعسكر، أنهم أرادوا الخروج إلى المدينة لشراء بعض اللوازم الشخصية بعد أن منحوهم أجراً شهرياً قيمته جنيهين مصريين، وبعد أن زارهم أمين عام جامعة الدول العربية >عبدالرحمن عزام< في المعسكر، وطلبوا من شاويش المناوبة أن يسمح لهم بالخروج لشراء بعد اللوازم المصرية والإفطار قبل الموعد، فقال لهم عبارة مازالت ترن في آذانهم إلى اليوم >لن تفطروا حتى تعطوا حق صاحبها<، واحتار والدي وصاحباه في العبارة، وانتظروا دقائق كعادتهم، واصطفوا قبل الوجبة إلى أن نادى كعادته قائد المعسكر في كتيبة المتطوعين المغاربة: >عاش الملك فاروق·· عاشت مصر···< ثلاث مرات، وساعتها التفت إليهم الشاويش وقال لهم: >بإمكانكم تناول الطعام الآن لقد أعطيتم حق صاحبها<·
 وفي المعسكر اشتبه المصريون في هوية أحد المتطوعين الجزائريين القادم من مدينة >البليدة< الجزائرية المدعو >بن قربان علي< لضعف لغته العربية ولون شعره الأشقر وبياض بشرته، وإحمرار خديه، وغلبة الفرنسية على لسانه، وظنوا أنه جاسوس يهودي من يهود الجزائر جاء لتتبع أحوال المجاهدين المغاربة في فلسطين، ورفضت قيادة المعسكر أن يبقى في صفوف المتطوعين حتى يختبره الشيخ >عبدالحفيظ قصري<، وقد اختبره بما يحفظ من القرآن الكريم وقواعد الفقه الإسلامي وتوضأ وصلى أمامه، وراقبه أياماً معدودة عن كثب، وضمنه شخصياً مطمئناً إدارة المعسكر بعروبته وإسلامه وصفاء غايته الجهادية ـ وقد عاد مع صاحبي والدي العام 1949م بعد أن جاهد في فلسطين، وشارك في ثورة التحرير الجزائرية، واستشهد العام 1958 بالقرب من مدينة >البليدة<، وفي مدينة >البليدة< مسقط رأسه هناك شارع يحمل اسمه ـ ثم سار معهم إلى فلسطين وقاتل في سبيل الله·
 وفي أواخر شهر يونيو من العام 1948م وبعد الهدنة الأولى، وصل عدد المتطوعين المغاربة إلى مئتي عنصر تقريباً في ثكنة الملك فاروق بمرسى مطروح، وتقرر رحيلنا إلى فلسطين عبر ميناء >الإسكندرية< باتجاه لبنان بعد أن زارنا أمين عام جامعة الدول العربية >عبدالرحمن عزام< برفقة عضوين من مكتب المغرب العربي المعتمدين في القاهرة >الشاذلي المكي، والعربي طوقان< يرحمهما الله، وألقى فينا خطبة حماسية حضنا فيها على الجهاد في سبيل الله والدفاع عن الحق العربي والإسلامي المغتصب، وأكد علينا انتحال هوية حجاج بيت الله الحرام في اعتراض سفن هيئة الأمم المتحدة من المراقبين الدوليين أو غيرها لنا في البحر·
 ولإتمام عملية التمويه فقد ألبسونا لباس الحجاج المغاربة، وانطلقت بنا السفينة التركية القديمة باتجاه ميناء >صيدا< اللبناني، وكادت أن تغرق بنا لولا لطف الله·
 ويروي والدي أن السفينة التركية رست بهم بعد ثلاث ليال من الإبحار ووقفت بعيداً عن الميناء في أوائل شهر يوليو العام 1948م ونزلت بنا القوارب الصغيرة إلى حافة نهر، وأخفونا في بساتين الموز التي التهمنا نصفها من شدة الجوع والحرمان حتى أدخلوا الكثير منا إلى مستشفى بلدة >الخيام< بسبب الاضطرابات المعوية، ووضعنا تحت إمرة القائد العربي السوري المرحوم >فوزي القاوقجي<، وفي سرية المغاربة تحت إمرة النقيب الشامي >أنور القدسي<، ومعاونه الضابط >غياث الدين أحمد الملا<·
 فوج المغاربة في مواجهة عصابات >الهاغانا<
 يروي والدي وصديقه أنهم بعد خلعهم لباس الحجاج ارتدوا بذلات جيش الإنقاذ العربي، وسلحوا ببنادق ورشاشات قديمة من صنع تركي وإيطالي وألماني وفرنسي، يعود تاريخ صنع معظمها إلى الحرب العالمية الأولى، كالبندقية الفرنسية الـ>63< التي كانت أشهر ما نمتلكه من سلاح فردي·
 ولم يكن مع فوج المغاربة سوى بضع مدافع >الهاون< القديمة الصنع، وبعض الرشاشات الثقيلة والخفيفة، ومضادين اثنين ضد الدروع، وكانت الذخيرة قليلة جداً ومقننة، وصدرت إلينا الأوامر ألا نستعملها إلا عند الحاجة ومقابل عشر طلقات من اليهود نطلق واحدة أو اثنتين نظراً لقلة الذخائر، كما أنه يجب علينا ألا نبدأ بالرد عليهم عشوائياً، فأول من يبدأ هم أمهر الرماة، وإذا حمي وطيس المعركة فليكن الرد مقنناً ومضبوطاً ومن غير تبذير للذخيرة، وهو ما أفاد اليهود كثيراً ومنحهم ميزة غطت جبنهم وخوفهم من الموت، ولا سيما من أفواج المتطوعين العرب دون الجيوش النظامية·
 يروي والدي أن الأوامر جاءت من القيادة العليا لجيش الإنقاذ العربي إلى فوج المغاربة >الفوج التاسع< بضرورة التحرك والتوجه إلى الجبهة اللبنانية الجنوبية في >الخيام< والمطلة وبنت جبيل< لأن عصابات >الهاغانا< كانت قد كثفت نشاطها هناك ضد الفلسطينيين الفارين وضد اللبنانيين، ووفرت مجموعة من الحافلات >الباصات< القديمة لنقل الفوج بأسلحته، لأن الجيوش العربية يومها لم تكن تمتلك العدد الكافي من الشاحنات العسكرية، فضلاً عن مدرعات نقل الجنود والذخائر·
 ويروي والدي أنهم لم تعجبهم طريقة نقلهم إلى أرضي المعركة، وعبَّروا عن رأيهم في طريقة حملهم إلى أرض المعركة إلى النقيب المرحوم الشهيد >أنور القدسي<، ولكنه أخبرهم بأن القيادة هي التي تحدد له طريقة النقل وليس هو، واقتضت الخطة أن يركب أفراد الفوج في الحافلات مع أسلحتهم الفردية من غير ذخيرة، وأن توضع صناديق الذخيرة والأسلحة غير الفردية >الرشاشات والهاونات ومضادات الدروع< فوق حمالات الحافلات، والخطة كلها قائمة على السذاجة وعدم التمرس في شؤون القتال، إذ تفقد المقاتلين حرية المناورة والحركة، وتضعهم صيداً سهلاً في يد أصغر الدوريات أو الكمائن وهو ما حصل بالفعل·
 يروي والدي أنهم في أثناء سيرهم ليلاً باتجاه الجنوب اعترضت سبيل القافلة دراجتان عسكريتان تحملان زي جيش الإنقاذ العربي وطلبا بالإشارة الضوئية من قائد القافلة أن يسير بها خلفهما، وبعد مسافة بضعة كيلو مترات انطلقت الدراجتان بسرعة البرق وتوارتا عن أنظار أول حافلة، وفجأة بدأت القذائف والنيران تحيط بالقافلة حتى أصابت بعضها، وتوقفت وتصايح الرجال بلهجاتهم المغربية نحو الحمالات يلقون بصناديق الذخيرة والأسلحة الثقيلة، وتحلّق والدي حول القائد >أنور القدسي< وبدأ يطلق أول قذيفة >هاون< عربية باتجاه اليهود، وتخندق الرجال في وضعية القتال مفسحين المجال لمؤخرة القافلة للانسحاب، واستمر القتال شديداً وسقطت بالقرب من موقع والدي قذيفة أودت بحياة قائد الفوج النقيب >أنور القدسي< ـ يرحمه الله ـ، وجرح على إثرها والدي في رأسه وأودع مستشفى >الخيام< مدة يومين، واستمر القتال ليلاً وفر اليهود وتبعهم المجاهدون·
 وتبين فيما بعد أن الدارجين المجهولين لم يكونا إلا جزءاً من مؤامرة مدبرة للقضاء على فوج المغاربة الذي كان يخشاه اليهود، وقد أعدت له تلك الخطة الكيدية خصيصاً·
 ومن معركة إلى أخرى في سهل >الحولة< بين >صفد< و>سمخ< و>طبرية< كنا نهاجم اليهود، في حصونهم ليلاً، ونذهب مع مطلع الفجر لنراهم مربوطين مع بعضهم بعضاً في السلاسل خشية الموت، وخشية حرارة اللقاء·
 يروي والدي أنهم قضوا ما تبقى من صيف 1948م وعام 1949م بين شمال فلسطين وفي سهل >الحولة<، ثم في >القنيطرة< يردون هجمات اليهود الليلية ويحرسون الحدود السورية، فيما عاد أصحاب والدي أواخر العام 1949م ليلاقوا مصيرهم المحتوم من قبل الإدارة الاستعمارية الفرنسية·
 البقاء في سورية والعودة إلى الجزائر
 وقرر والدي المطلوب من الإدارة الاستعمارية البقاء في سورية والانضمام إلى الجيش العربي السوري، والعيش والزواج بفتاه سورية، إلى أن تقاعد من الجيش العربي العام 1963م، ليعود إلى وطنه الجزائر مع أبنائه العام 1963م، بعد أن أكرمته الحكومة السورية بمنحها له مرتب تقاعده دفعة واحدة حتى العام 1969، لينضم إلى الجيش الجزائري من جديد، وليعود من جديد إلى موطن شبابه وجهاده سورية العام 1970م ليغادرها نهائياً مع أبنائه العام 1975م إلى الجزائر ثانية·
 ليرحم الله جميع الشهداء وليتغمدهم برحمته الواسعة··· والله على ما نقول شهيد· 
 بقلم الكاتب:   أ·د·أحمد عيساوي ـ جامعة باتنة ـ الجزائر