عظيم من الجزائر - العلامة المجدد البشير الابراهيمي ( مقتطفات
من كتاب )

 

#الجزائر #علماء_الجزائر .... نابغة العلماء وفارس البيان #الشيخ_البشير_الابراهيمي ... نجم من نجوم الجزائر أضاء بنوره الساطع مدنها وقراها، جبالها وسهولها .. "أيظنُّ الظانُّون أن الجزائر بعراقتها في الإسلام والعروبة تنسى فلسطين" "أيها العرب! إن قضية فلسطين محنةٌ امتحن الله بها ضمائركم وهممكم وأموالكم ووحدتكم، وليست فلسطين لعرب فلسطين وحدهم، وإنما هي للعرب كلهم، وليست حقوق العرب فيها تُنال بأنها حق في نفسها، وليست تُنال بالهوينا والضعف، وليست تنال بالشعريات والخطابيّات، وإنما تنال بالتصميم والحزم والاتحاد والقوة. إن الصهيونية وأنصارها مصمّمون، فقابِلوا التصميم بتصميم أقوى منه وقابلوا الاتحاد باتحاد أمتن منه. وكونوا حائطًا لا صدع فيه … وصفًّا لا يُرقّع بالكُسالى" (محمد البشير الإبراهيمي)


الرئيس الراحل هواري بومدينكشفت شهادات تاريخية ومراسلات دبلوماسية بين الجزائر وفرنسا، أن الرئيس الراحل هواري بومدين، رفض في أكثر من
مناسبة زيارة فرنسا رغم الدعوات التي تلقاها بهذا الخصوص، والتي كانت أهمها تلك التي صدرت عن الجنرال شارل ديغول.
  • أبرز هذه الشهادات جاءت على لسان أحد الرجال الذين سبق لهم العمل إلى جانب الرئيس الراحل، ممثلا في عضو مجلس الأمة عن الثلث الرئاسي حاليا، عبد الرزاق بوحارة، حيث أكد أن بومدين توفي دون أن تطأ قدماه التراب الفرنسي، بالرغم من الدعوة التي تلقاها من أبرز رؤساء فرنسا في العصر الحديث، شارل ديغول.
  • بوحارة، الذي سبق له العمل في سفارة الجزائر بباريس، برتبة ملحق عسكري، وفي المنتدى الذي نظمته أمس يومية المجاهد بالتعاون مع جمعية مشعل الشهيد، أكد أن الجنرال ديغول أبلغه رغبة فرنسا في أن يقوم بومدين بزيارة إلى باريس، غير أن هذا الأخير، رد بالقول (Avec la grande porte ou jamais) “عبر الباب الواسع أو لن أزورها (فرنسا) أبدا”.وأوضح بوحارة أنه عندما كان ملحقا عسكريا بسفارة الجزائر بباريس خلال ستينيات القرن الماضي، مثل سفير الجزائر بباريس آنذاك، رضا مالك، في حفل أقامته الرئاسة الفرنسية، مشيرا إلى أنه لما قابل الجنرال شارل ديغول، قال له “أبلغ الرئيس هواري بومدين أننا بانتظاره”، وهي الرسالة التي بلغت لبومدين في حينها إلا أنه رد عليها بالسلب. 
  • وذكر بوحارة أن بومدين كان متضايقا من الطريقة التي تتعامل بها فرنسا الاستعمارية مع مستعمراتها السابقة في إفريقيا، ومن ما قاله بهذا الخصوص لرضا مالك “الجزائر ليست السينغال أو ساحل العاج، حتى تلبي رغبة فرنسية”.من جهته، قال العقيد محمد رمضاني، إن الراحل هواري بومدين يعتبر من الموهوبين القلائل الذين طبعوا أحداث القرن العشرين، حيث استطاع بفضل دهائه من تغيير مجرى مفاوضات إيفيان بين الوفدين الجزائري والفرنسي، التي رسمت الاستقلال.
  • وأوضح رمضاني أن الوفد الفرنسي لم يكن يعترف بوفد جبهة التحرير في جلسات مفاوضات إيفيان، إلى درجة أنه كان يخاطبه  بـ “،  coté de la table  l’autre Monsieur de ، وهو ما حتم على الوفد الجزائري بالرد على الطرف الفرنسي بالمثل.
  • وأمام هذا الوضع، كلف بومدين الذي كان يشغل منصب قائد أركان جيش التحرير، ممثله قايد أحمد في المفاوضات، بحمل صور تظهر الخسائر الفادحة في الأرواح والمعدات، التي كبّدها المجاهدون للجيش الفرنسي في إحدى المعارك، ولما قدمها ممثل بومدين لجنرال فرنسي كان ضمن الوفد، صدم هذا الأخير، ورد بالقول “حضرات الرائد”، وعندها يضيف المتحدث، أصبحت المفاوضات تتم في جو من الاحترام المتبادل.


  • #الجزائر _


     مقتطفات من كتاب الدرة الألفية في علم العربية .

    أوّل مَن نظم الألفية هو جزائري أمازيغي الأصل، هو العلامة شيخ النّحو زين الدّين أبو الحسين يحيى بن عبد المُعطي بن عبد النّور الزّواوي المغربي النّحوي الفقيه الحنفي مولده سنة 564هـ، سمع من القاسم بن عساكر. وصنّف الألفية والفصول، وله النَّظم والنّثر، وتخرّج به أئمة بمصر وبدمشق، توفي بالقاهرة في مصر يوم الاثنين سنة 628هـ. هو أحد علماء الجزائر الأفذاذ، إمام عصره في النّحو واللّغة، ورائد نظم المسائل اللّغوية والنّحوية، تُعدّ ألفيته “الدرّة الألفية” أوّل مؤلّف في النّحو صيغ بقالب شعري. والألفية في النّحو، هي منظومة جمعت علم النّحو والصّرف من بحرين هما السّريع والرّجز، وقد سمّاها “بالدرّة الألفية”، كما قام بتحقيقها وشرحها الدكتور علي موسى الشوملي، بدأ ابن معطي في تأليفها سنة593 هـ وأتمّها سنة 595هـ، وقد نسج على منواله الإمام محمد بن عبد الله بن مالك المتوفى سنة 672هـ علاَّمة النّحو واللّغة في تأليفه لمنظومته الألفية الشّهيرة في علم النّحو “ألفية ابن مالك”، قال المقري: [تبع فيها ابن معطي، قالوا: ونظمه أجمع وأوعب، ونظم ابن معطي أسلس وأعذب]....









    دكتور محيي الدين عميمور / بداية العودة الميمونة

    منذ عرفتُ بنبأ قرب استرجاع الجزائر لعدد من جماجم شهدائها وأنا أتساءل: كيف نجح عبد المجيد تبون في إقناع الفرنسيين بقبول هذه العملية، التي أراها خطوة نحو إنجازات أخرى ستختتم عندما تسترجع الجزائر كل ما نهب منها بشكل مباشر وغير مباشر، أي منذ أن أقرضت حكومة الثورة الفرنسية ما مكنها من تجاوز معاناتها ومرورا بثمن الغلال الذي لم تتسلمه الجزائر ووصولا إلى كل ما نهب انطلاقا من الغزو الفرنسي في جوان  ووصولا إلى تعويض شعبنا عن كل ما عانه منذ 1830.

    ولأنني لا أعرف ما حدث أتصور أن تبون قال بكل بساطة للسلطات الفرنسية: أنا أعطيكم الفرصة لتنقذوا سمعة بلادكم من وصمة العار وذل المهانة التي التصقت بكم منذ سرقتم رؤوس شهدائنا لتضعوا جماجمهم في علب زجاجية الواجهة، يضمها متحف لا يختلف عن المتحف الذي يعرض جماجم الحيوانات المنقرضة.

    لقد تصرفت سلطات بلادكم ومنذ الاحتلال بنذالة لم يعرفها التاريخ، وتصور الحمقى عندكم أن عرض جماجم لا تملك من أمر نفسها شيئا، تم بترها بكل جبن ممن واجهوكم بكل رجولة، وووضعها في العلب الزجاجية بكل استهانة بالمعطيات الإنسانية، بل والحيوانية، هو تعبير عن الانتصار والفوز، خدعتم به الأجيال المتتالية من شبابكم، ولعله كان من أسباب انهياركم السريع والغريب أمام الغزو النازي، لأن من لا يحترم خصمه ينال ما هو أسوأ من عدوه.

    وأتصور أن تبون قال للسلطات هناك : ألم تقرءوا قصة قابيل وهابيل لتعرفوا أن غرابا لم يترك جثة غراب آخر بدون أن يدفنها، وهو الدرس الذي تلقاه أول قتلة التاريخ، فهل كنتم تنتظرون أن يأتي غراب ليعلمكم بأن رفات الإنسان، ولو كان عدوا، لا يمكن أن تستعمل كمجرد متعة للناظرين، وأن مكانها هو قبر يضمها إلى حين يبعثون.

    وربما قال رئيس الجمهورية الجزائرية لسلطات بلاد الجن والملائكة: هل تصورتم أن حصول رئيسكم يوما على المفتاح الرمزي لمدينة الجزائر هو محو لتاريخ الحركة الوطنية والثورة المسلحة وعنفوان الاستقلال، أو أن أحمقا عميلا قبّل يد أحد رؤسائكم خلال زيارة رسمية كان يعبر عن إرادة أي جزائري، بالمعنى الكامل للكلمة.

    ولعل الرئيس الجزائري قال لهم، في معرض التذكير، بأن الأمير عبد القادر بن محيي الدين بعد التحاقه بالرفيق الأعلى في دمشق كان ضيفا مكرما معززا على ضريح محيي الدين بن العربي، لأن المسلم يعرف قدر الروح البشرية، وهو ما جعل محمد بن عبد الله، عليه صلوات الله وسلامه، يقف احتراما لجثة يهودي.

    وما أريد قوله بكل بساطة هو أن الفضل في استرجاع المجموعة الأولى من جماجم ورفات شهدائنا هو فضل ومنّة منحتها الجزائر للجار الشمالي، لأنه ينقذها من العار الذي كان إكليل شوك فوق رؤوس كل من قتلوا ونهبوا وشردوا وقمعوا، ثم لم يكتفوا بذلك، فقطعوا رؤوس الرجال ليجعلوها “فرجة” قد تكون متعة لأشباه الرجال.

    وأنا ممن يؤمنون بأن أرواح شهداء الجزائر تطوف دائما في سماء هذه الأرض الطاهرة، وأكاد أتصور أن أرواح من حملت الطائرة العسكرية رفاتهم كانت بالغة السعادة وطائرات الـ”ميغ” تحيط بالرفات، تكريما وتعظيما لرجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

    وقد يكون من أسباب السعادة أن أرواح الشهداء شاهدت العلم الجزائري الذي ماتوا من أجله مرسوما على جوانب الطائرات، وتابعت النشيد الوطني وهو يعزف في استقبالهم على أرض مطارٍ يحمل اسم أول من فكر في استرجاع رفات كل عظيم كان منفيا خارج تراب الوطن أو مبعدا عنه، وكان ينتظر الرجل الذي سيحقق حلمه في أن تحتضنه تربة الجزائر.

    والمهم هو أن هذه هي الخطوة الأولى التي تجسد انطلاقة يجب أن يفهمها، ويحذر من التناقض معها، كل من يحاول تفتيت الوحدة الشعبية والاستهانة بنضالات الحركة الوطنية والإساءة إلى تاريخ الثورة الجزائرية وخلق أي ازدواجية تمس بوحدة الشعب والأمة.

    وهذا هو الخط الذي يربط جزائر الأمس التي استعادت رفات الأمير في منتصف الستينيات لتستقر في أحضان بلاده بجزائر اليوم، التي أنقذت شهدائنا من مهانة الإذلال الذي سلطه عليها من لا رجولة له إلا أمام الرفات.

    وآمل أن يتذكر الشباب الفرنسي دائما أن الجزائر أنقذته من وصمة عار تاريخية لم تعرفها أمة على الإطلاق، وأن يدرك أن على بلاده أن تسير في نفس الخط الذي بدأه بيرلسكوني وسار عليه بالأمس القريب الملك البلجيكي.

    مفكر ووزير اعلام جزائري سابق




    #الجزائر ... الحمدلله ما بقاش إستعمار في بلادنا ,رحم الله شهدائنا الأبرار وأسكنهم فسيح جناته، عاشت الجزائر حرة مستقلة . Happy Independence Day Algeria
    "يا فرنسا قد مضى وقت العتاب وطويناه كما يُطوى الكتاب
     يا فرنسا إن ذا يوم الحساب فاستعدي وخذي منا الجواب
     إن في ثورتنا فصل الخطاب وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر".
     
     
     
     
     

    سعد الله.. راهبٌ في محراب التّاريخ!
    بقلم عزالدين ميهوبي
    تحدّاني أحدهم إن كنتُ كتبتُ شيئًا عن شيخ المؤرخين الجزائريين المرحوم الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله، فعدتُ إلى أرشيفي العامر بالشهادات التي دوّنتها في حق المئات من أبناء هذا الوطن، في عديد المجالات، وخاصّة الثقافية والإبداعية منها.. ونشرتُ كتابًا أسميتهُ "عرفتهم.."، جزء أوّل، وهناك جزء آخر، سيطبع في أوانه. ومن بين الأسماء التي وثقتُ علاقتي بها، المؤرخ والأكاديمي والأديب أبو القاسم سعدالله، الذي تبقى الجزائر مدينةً له ولجهوده التي أثمرت أكثر من ثلاثين مجلدًا، أخذ فيها التاريخ الثقافي الجزائري حيّزًا أوسع. وهذا ليس غريبًا، فرحلة الرجل العلميّة بدأت في بلدته ومسقط رأسه، قمار (الوادي) وهي حاضرة علميّة، تخرّج منها كثيرٌ من العلماء والأدباء الكبار، ومنها انتقل إلى الزيتونة بتونس، فدار العلوم بالقاهرة، لتكون جامعة مينيسوتا الأمريكية محطته الأخيرة في نيل دكتوراه في التاريخ، ليبدأ مشواره مع التأليف والتدريس والمساهمة في إثراء الحياة الثقافية.. ولا يمكن لنا إلاّ أن نذكر الموقف المؤلم الذي عاشه في مطار هيثرو (لندن) حيث ضاع منه مخطوط تاريخي هام، ترك حسرة في قلبه، لأنّه كان ثمرة تعب سنوات من البحث.. قد يبكي أناس لفقد مال أو منصب، لكنّ سعد الله بكى بمرارة لأنّه فقدَ مخطوطًا يُعنى بتاريخ شعبه.. وهذه الطينة من النّاس صارت نادرة في أيامنا.
    في تأبينيته التي أقيمت قبل سبع سنوات بمتحف المجاهد، كتبت كلمة بعنوان "وداعًا يا أسعد النّاس عند الله". أقتبس بعض ما ورد فيها:
    إنّ سعد الله، هو بالتأكيد سعيدٌ في بيت الخلود، وهو يرى أحباءه وتلامذته، يتذكّرونه، ويقيمون لأجله اللقاءات والندوات، ويستعيدون في شهاداتهم بعضًا من سيرته العطرة، ويُخلصون له الدّعاء.. ويبدو أنّكم لم تعرفوا سببَ دوراني على نفسي داخل الكلمات، ذاك لأنّني لم أجد بوابة لدخول عالم أبي القاسم سعدالله، فالأبواب كثيرة، لكنّ مفاتيحها ليست بحوزتي، ولا أعرف من أين أجيئه بقصد قول كلمة تليق به وبتاريخه. وليس أمامي سوى كلمات دوّنتها عن الرجل في حياته قبل أعوام.. وأنا الذي زرته في خلوته بالمركز الوطني للدراسات التاريخية بالأبيار لتحيّته بعد أن بلغني أنّه معتكف على استكمال ما فاته من تأليف تاريخي.. وطلبتُ منه أن يمدّني بمعلومات تاريخيّة غير متداولة بين المؤرخين عن احتلال الجزائر، حيث شرعت في كتابة سيناريو "المروحة والداي" ولم يقل لي لا.. بل اتصل بي بعد يومين وسلمني بعض الكتابات التي نصحني بأن أقرأها أكثر من مرّة فربّما كانت ملغّمة لأنّ أصحابها ليسوا من جلدتنا.
    وزرته مرّة أخرى، في أعقاب أزمة اتحاد الكتاب الجزائريين 2005، وأذكر أنّهُ قابلني في مدخل مكتبه بالمركز، وبقيَ واقفًا، ولم يجلس، وأكثر من ذلك لم يدعني إلى الجلوس، فانتبهتُ إلاّ أنني قطعتُ عليه خلوة تفكير وبحث.. وفهمتُ الأمر، ولأدبه وأخلاقه، اتصل بي مساء ذلك اليوم، وقال لي "لم أكن مهيّأ هذا الصباح للحديث في شؤون اتحاد الكتاب، لأنّني أعرفُ متاعبه.. وكنتُ مأخوذا بمسألة استكمال بحث في التاريخ". وكأنّي به راهبٌ في محراب الذاكرة والتاريخ.
    أقول هذا، لأنّ الرجل هو من ترأس مؤتمر اتحاد الكتاب الجزائريين في أعقاب الانفجار الذي شهدهُ بعد أحداث أكتوبر 1988، وكان حينها حريصًا على جمع شمل الكتاب والأدباء، لكنّ التشظي حدث، ووقع شرخٌ كبير بين جيل من الشباب، وكنتُ بينهم، وقدامى الكتاب الذين لم يستوعب بعضهم غضب الشباب من أبوّة يفرضها السنّ لا الكتابة.. وانتهى مؤتمر زرالدة بأن عاد كلّ واحد إلى بيته، بعد أن تصدّعت جدران الاتحاد.. وحدث ما حدث.
    هذا الرجل العالم والمثقف والمفكر والشاعر والمؤرخ والمترجم والمحقّق والناقد والباحث والدارس والمربّي والموسوعي والمقاوم والإنسان.. هو من طينة أجزم أنها انقرضتْ في زماننا، وصار وجودها بيننا لا يختلف عن وجود الماء على سطح المريخ أو أيّ كوكب مجهول.. فمن عثرَ منكم على بقية من هؤلاء الرجال فليبلغ، لأنّ الأمة أحوجُ ما تكون لهم ولعلمهم ومعرفتهم.. فهو من أوائل الجزائريين الذين شقوا طريق البحث في الذاكرة وتدوينها، إدراكا منه أنّ هذه الأمة لا يمكنها أن تعيش خارج التاريخ موصولة بحبل النسيان والموت على أسوار الحضارة..
    هذا الرجل الذي وهب حياته للعلم والبحث والكتابة، لم تنل منه الإغواءات التي كثيرا ما قتلت كتابا وعلماء، وظل ذلك الرجل الذي عَرف فيه الناس التواضع مع الانضباط، والفطنة مع الطيبة، والجرأة مع الحكمة، والعلم مع كثير من الأخلاق التي يتصف بها صفوةُ العلماء الثقاة.. فكان رجل موقع وموقف. لم يتبدل أبدًا، ثابت على رأي يراه صوابا، ومنافح عن قيم يستشعر فيها ما يليق بالأمة..
    إنّ حبّه لشعبه وبلده وتاريخه شيءٌ لا يوصف، فقد اختار في حياته المهنة الأصعب وهي التنقيب في ذاكرة مخرومة بفعل الاستعمار، ومسحوقة بفعل الإهمال، ومنسية بفعل الشعور بالخوف من الماضي ومتصدّعة بسبب التردد أمام المستقبل..
    لقد كانت كلمته "نحن شعب يصنع التاريخ ولا يحسن كتابة التاريخ" إشعارا بأن الذاكرة في خطر، وأن تدوينها يقتضي من الجزائريين شعبا ودولة أن يستعيدوا ذلك بوعي كبير لا أن يتركوا الأمر للأغراب فيشوّهون التاريخ ويدمرون الذاكرة..
    إن هذا الرجل يُرهق من يسعى إلى اختزال سيرة حياته أو من يحاول تفكيك أفكاره ..
    قال مرّة "اكتبوا حتّى بأهدابكم وأظافركم إنْ لم تُطعكم أقلامكم"، وهو يُدرك أنّ هناك من لم تطعهم أقلامهم، وهناك من لم تطاوعهم أقدامهم في الذهاب إلى أقصى الأرض لينبشوا عن تاريخ مُهمل أو منسيّ.. وهو يُدرك أيضًا أنّ هناك من ليست لهم أهدابٌ أو أظافر، فيديرون ظهورهم للتاريخ خوفًا منه، لا خوفًا عليه، ولا حتّى تواضعًا أمامه..
    استحضر صورته اليوم، معكم أنتم الذين تتذكرون شيخ المؤرخين في ساعات التّيه والنسيان، مثلما أستحضر ذكرى رفاق القلم الكبار الذين عاصروه وعايشوه ثم غادروا إلى دار الخلود بعد عمر من العطاء، يحي بوعزيز، إبراهيم فخّار، الجنيدي خليفة، عبد الله الركيبي، الطاهر وطّار، محمد قنانش، محفوظ قداش، مولاي بلحميسي، أبو العيد دودو، محمد بن عبد الكريم، عبد الله شريّط، رابح بلعيد وآخرون..
    هي شهادة لمكانة الرّجل الذي زهد في المناصب، وانتصر للعلم والمعرفة، وترك ما حُقّ له ولعائلته ولنا جميعًا، أن تفتخر به، هذا الرصيد الهائل من المؤلفات التي لو طاولت قامته، لجاوزتها. ولا يسعني إلاّ أن أدعو المولى عزّ وجل أن يُسبغ على الراحل الكبير شآبيب رحماته، وأن يدخله جنته مع الأبرار والصادقين. هي مجرد شهادةٌ متواضعة في حقّ رجل خدم وطنه بأهدابه، ودافع عن هويّته بأظافره، وكان ممن أطاعته أقلامه، فطوّع أفكاره لما يؤمن به..


    المصدر -  الصفحة الرسمية لسيد
    Azzedine Mihoubi - عزالدين ميهوبي

    قصيدة ( إستوح شعرك ) للشاعر الجزائري محمد العيد آل خليفة




    إستوح شعرك من حنايا الأضلع …*… واستجل في القسمات حسن المطلع
    وصغ التحية نضرة رفافة …*… كالورد وارفعها لهذا المجمع
    من باحث متفنن أو واعظ …*… متسنن أو قارئ متخشع
    ما ينتهى منهم بليغ مصقع …*… إلا يحيل على بليغ مصقع
    والقوم كالأسد الروابض جثم …*… من حولهم أو كالنسور الوقع
    قل للجزائر وهي أم مرضع …*… مثل اللبؤة أي أم مرضع!!
    أبناؤك الأشبال فيك تزاوروا …*… وتزاءروا قي الغيل منك بمسمع
    قد خانهم فيك الشريك فلم يبح …*… طيب المناخ لهم وحسن الموقع
    أطعمت مكثرة فأطمعت العدى …*… لا تكثري الإطعام كيلا تطمعي
    إن القريب الحق أولى بالقرى …*… بين الضيوف من القصي المدعي
    إن الجزائر مرتع معشوشب …*… مغدودق ما مثله من مرتع
    قل للنزيل بهاسلام طيب …*… متضوع كأريجها المتضوع
    إنزل على الحرم الأمين بظلها …*… ضيفا وحل على الجناب الممرع
    تلق الرضى ما دمت تسعى للرضى …*… في كل ناحية تحل وموضع
    تأبى الجزائر أن تعم بنفعها …*… من ليس يسعى للأعم الأنفع
    ولكل ساع في المواطن ما سعى …*… من خان خين ومن رعى فيها رعي
    ولربما كان الجزاء مؤخرا …*… أجلا فضاقت حيلة المتسرع
    قلبت أنواع الجهاد فلم أجد …*… كجهاد محتسب به متطوع
    يا موطنا لي خصبه ونعيمه …*… وله هواي على المدى وتشيعي
    مصطافي الباهي الظليل ومخرفي …*… الزهي ومشتاي الجميل ومربعي
    ما زال حبك ناشئا مترعرعا …*… في ناشئ بجوانحي مترعرع
    أقسمت لو خيرتني في مصرع …*… ما اخترت إلا في سبيلك مصرعي
    إسأل أجب وأمر أطع واصرخ أغث …*… وآصفح أنب واسمع أقل وانصح أع!
    مضت الدهور وأنت حي سالم …*… من عهد (عقبة) والغزاة التبع
    ها أنت في وسط الزعازع ثابت …*… باق على الإسلام لم تتزعزع
    بوركت من وطن تسامى فالتقى …*… بالمنتهى في مستواه الأرفع
    يحميه شيب كالملائك طيبة …*… وشبيبة مثل النجوم اللمع
    شملوا ببرهم (الشمال) وأجمعوا …*… أن يجمعوا من شمله المتصدع
    ) افريقيا) دار ثووها حقبة …*… وتوارثوها أروعا عن أروع
    ) افريقيا) أخت الحجاز ديانة …*… وربيبة البيت الحرام الأمنع
    قف بي عليها برهة ننصح لها …*… أن تستعد ليومها المتوقع!
    العلم سلطان الوجود فسد به …*… من شئت أو ذد عن حياضك وادفع
    والجأ له بدل الحصون فلا أرى …*… حصنا كمدرسة سمت أو مصنع
    قل للجزائر أنشئي كلية …*… تمحو جهالة شعبك المتسكع
    الجهل أشبه بالغراب فما له …*… من منزل غير الخراب البلقع
    الجهل غيم فوق أرضك ضارب …*… غطى على أحيائها والأربع
    لن يخرق ابنك حجبه ما لم يكن …*… بمنقب في الكتب أو مستطلع
    الفجر يؤذن بالطلوع فرحبي …*… بالنور غب ظلامك المتقشع
    فردوسك المفقود سوف يرده …*… من رد قرن الشمس قبل ليوشع
    يا ليت لي من بعد موتي مرجعا …*… إن آذن الفردوس فيك بمرجع
    وأتى الإلاه بأمة لا تنحني …*… أبدا لسوط فوقها أو مقمع
    تأبى سوى الإسلام فيها مهيعا …*… لسلوكها أعظم به من مهيع
    حتى أرى فيك المسيطر عادلا …*… وأرى لديه الحق غير مضيع
    وأرى على الأقطار عرشك سائدا …*… من تحت تاج بالقلوب مرصع
    فأزيج عن نفسي مرارة بؤسها …*… وأريح عيني من حرارة أدمعي
    يا نفس ما أخلفت للوطن الذي …*… غذاك من أخلاف شتى الأضرع
    بريه عاملة فليس بنافع …*… ان تهتفي مثل الحمام وتسجعي
    ويحي رجعت القول رجعا عاليا …*… ونزعت في الامال أبعد منزع
    ونصحت غير العاملين مقرعا …*… وأنا الفقير لناصح ومقرع
    قد كدت أجفو الشعر لولا أن لي …*… بالشعر بعض تعلل وتمتع
    الشعر من خيل الخيال فوثبه …*… وثب البراق أو البروق السرع
    لا يقتضي الا مجالا موسعا …*… مني ومن لي بالمجال الموسع
    في كل ركن راصد متسمع …*… عني بجانب راصد متسمع
    لا ذخر كالأعمال عند صلاحها …*… فاجعل من الأعمال ذخرك أودع
    واذا عزوت صنيعة محمودة …*… في أمة فإلى الصناع المبدع
    كم من محق قام يطلب حقه …*… بالقول باء بالإنتهار المقذع
    ومن المروءة أن تؤمن فزعا …*… ظنوك خير مؤمن للفزع
    يا دولة عنا تجافى جنبها …*… رقي لنا وعن التجافي أقلعي
    ننعي عليك الميز جهرا بين من …*… ترعينهم والميز من قدم نعى
    ما بال بعض الناس منك مشجعا …*… فينا وبعض الناس غير مشجع
    يا أمة يرجو الخصوم هجوعها …*… من بعد نهضتها احذري ان تهجعي
    الأمن للأيقاظ فاحذي حذوهم …*… وسعي بجدك كل واجبهم سعى
    تركتك جارتك المجدة خلفها …*… فانوي بجارتك اللحاق وأزمعي
    وعلاك في الدنيا عباب محيطها …*… فتدفعي تعلي العباب تدفعي
    وتكتلي كالنحل حول كرامة …*… لك كالخلية أن تمس بإصبع
    حكم الممالك بالعدالة والرضى …*… ما حكمها بالسيف أو بالمدفع
    ما بال من ترجين قرب وفائهم …*… يتمنعون ولات حين تمنع
    لا بد من عدل القضاء وفصله …*… فتتبعي سير القضاء تتبعي
    لن يعدم التوفيق طالب حقه …*… المبتغيه بحكمة وتضلع
    بين المشارق والمغارب إخوة …*… لك عصبة بقلوبهم والأذرع
    مدوا اليك بها حبال إخائهم …*… فصلي حبال إخائهم لا تقطعي
    هلا اغثت القدس منك بلفتة …*… غيري على شعب هناك مروع
    القبلة الأولى تضج وتشتكي …*… من قسمة المستأثر المستنفع
    ضمي أحتجاجك لاحتجاج حماتها …*… واستنكري تقسيمه وأستفظعي
    أيه فلسطين الشقيقة لا تني …*… عن رد عدوان اليهود الأشنع
    ويح القلوب فكل قلب شاعر …*… متقطع لأنينك المتقطع
    ويح العدالة والسلام فلا أرى …*… غير العدالة والسلام بموجع
    باسميهما تقع المظالم جهرة …*… من كل منتسب لأصلها دعي
    قد يشبع ابن الوحش شلو فريسة …*… الا ابن آدم ما له من مشبع
    ورث ابن آدم من أخيه المعتدي …*… فيما مضى ظلم الأخ المتورع
    ضع في يديك عصا أو أحمل مبضعا …*… يرهبك كل اخي عصا أو مبضع
    لا أستفزك للتعدي والأذى …*… ليس التعدي والأذى بالمنجع
    الحر لا يجري دما لم يستبح …*… والبر لا يذكى وغى لم تشرع
    الادمية ركنها متضعضع …*… فاشدد دعائم ركنها المتضعضع
    ومنابت الأخلاق لم تنبت سوى …*… حسك لراجي نبعها أو خروع
    أسفي على الأخلاق صوح زهرها …*… فينا وغور ما لها من منبع
    أين الأمانة والوفاء ومن يلي …*… غرس الأمانة والوفاء ويرتعي
    هل في الأمانة والوفاء مجدد …*… ذكرى السموءل وابنه والأدرع
    لولا التحرج قلت غير مبالغ …*… لم يبق إلا الأوكع ابن الأوكع
    من تستعنه يعن عليك شماتة …*… او تأتمنه يمن عليك ويخدع
    قف بالجزائر والح فيها أمه …*… يلهو الشباع بها بجنب الجوع
    شط الغلاء فما ترى من مسلم …*… بميسر فيها عليه موسع
    لم يلتحق بالقوت غير مقتر …*… أو يلتحف بالثوب غير مرقع
    وترى الأديب الألمعي مؤخرا …*… ومحقرا وهو الأديب الالمعي
    يدعوه للأخلاد جنب طيع …*… فيثور جنب منه ليس بطيع
    اربأ بنفسك ان تعيش ببيئة …*… موبؤة الأنفاس كالمستنقع
    قل للأديب اعمل وكن متدرعا …*… بالصبر نعم الصبر للمتدرع
    دنياك ضد للعباقرة الالى …*… لا يحفلون بحسنها المتصنع
    هي كالبغي فنصف وجه سافر …*… يرضي إلى نصف يعاف مقنع
    والشر في الإنسان طبع ثابت …*… والخير في الإنسان محض تطبع
    بالله قبل وبالنبيين ازدري …*… والقانتين الساجدين الركع
    ما رد كيد الناس عنك تضرع …*… فاصرف لرب الناس كل تضرع
    ولعل ذنبك ان قلبك مولع …*… بهوى به الجمهور ليس بمولع
    ولعل ذنبك إبرة ترفو بها …*… للناس كل موشح وموشع
    ولعل ذنبك ريشة أوتيتها …*… أصباغها لم تشر من مستودع
    ولعله قيثارة تسلو بها …*… في جو لحن من لهاك مرجع
    ولعله ذوب الرحيق تديره …*… صرفا على الإخوان غير مشعشع
    ولعل من حاذيته آذيته …*… فاربع عليك من المحاذاة اربع
    وتبوإ الخلد الذي أعطيته …*… متنقلا في دوحه المتفرع
    أومض ببرقك من بعيد يستبن …*… واحرق بخورك من جديد يسطع
    لابد ان تعي البلاد نصيحة …*… مصحوبة لك بالدليل المقنع
    أو ما تراها استشرفت مثل الربى …*… لحقوقها وتدفقت كالمشرع
    المهتدي فيها بجنب المهتدى …*… واللوذعي بها بجنب اللوذعى
    دعت البلاد شبابها فأجابتها …*… عجلا وحسبك بالشباب إذا دعى
    أهلا وسهلا بالفدا ورجاله …*… الطامحين اليه غير القنع
    أذوي العمائم والعمامة شارة …*… لليعربي وزينة للأصمع
    من فيكم يحيي خلالا أربعا …*… يحيي الجزائر بالخلال الأربع
    صدق (العتيق) وعزة (الفاروق) في …*… حلم (ابن عفان) وعلم (الأصلع)
    أذوي العمائم سايروا قرآنكم …*… وتتبعوا هدي الرسول الأشفع
    أذوي العمائم راجعوا تاريخكم …*… من منذ عهد (الداي) حتى تبع
    أذوي العمائم علموا وتعهدوا …*… بالوعظ والذكرى ذوات البرقع
    آتوا النساء نصيبهن من الهدى …*… يخرجن نشئا كالرماح الشرع
    وابنوا المدارس نضرة مزدانة …*… تحكى المغارس في الربيع المون
    وابنوا المساجد حرة ليست إلى …*… متحكم تعزى ولا متبدع
    واكفوا مشاريع البلاد تبرعا …*… ما قام مشروع بدون تبرع
    يا شعب إن الكون حقلك فاحترث …*… وآزرع فحقل الكون أخصب مزرع
    لك غاية ذو العرش بارك أهلها …*… كن آمنا من كل سوء مفجع
    ثق بالإلاه تعش عزيز القدرلا …*… بمرغم انفا ولا بمجدع
    فبإذنه في البدء قد حزت الرضى …*… وبإذنه ستحوزه في المقطع 


    في الرد علي أساطير المؤرخين الغربيين : جملة مقالات

     

    اساطير المؤرخين الغربيين تتهاوى: اصل اوربا عروبي
    روما وريثة ومغتالة قرطاج
    لعبد الرحمن بن عطية: جذور روما العروبية!
    شبكة البصرة
    الدكتور عثمان سعدي

    رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية
    الأستاذ عبد الرحمن بن عطية سبق وأن قدمته لقراء القدس العربي سنة 2005 عندما عرضت كتابه (تاريخ العربية لغة العالمين(1)) الذي يعيد تاريخ العربية إلى جذورها، ويفصل بين العربية التي تتمثل في العدنانية التي نزل بها القرآن الكريم، وبين العروبية التي تشمل الأكدية والأرامية والكنعانية والأشورية والبابلية والبربرية وغيرها من اللهجات التي تفرعت عن العربية الأمّ.

    كما عرضت كتابه (الجذور العربية للغة اللاتينية(2) Le substrat arabe de la langue latine) في 'القدس العربي' عدد 13/7/2011 والذي أثبتَ فيه أن سبعة وستين في المائة من كلمات اللاتينية عربية مستمدة من اللغات العروبية التي كانت أوروبا تتكلم بها. أصدر سنة 2008 كتابا عنوانه: (العرب والهندو أوروبيون Arabes et indo-europ'ens) أثبتَ فيه أن أوروبا قبل غزوها من طرف القبائل الهندوأوروبية في نهاية الألف الثانية قبل الميلاد، كانت شعوبها تتكلم اللغات العروبية كالأرامية والكنعانية والبابلية والأشورية والبربرية، حيث كانت أوروبا مزروعة بمستوطنات عروبية. ويستعمل المؤلف مصطلحarabique للتعبير عن مصطلح عروبية بدل مصطلح السامية الذي بطل استعماله بسبب مدلوله الأسطوري، ويستعمل كلمة عربي Arabe تسمية للعربية الحديثة العدنانية التي نزل بها القرآن الكريم. وقد رفض العالم الفرنسي رينان E.Renan مصطلح السامية في كتابه الهام (تاريخ اللغات السامية) واقترح أن تعطى لها التسمية الأشورية ـ العربية Syro-arabe. كما اقترح لايبنيتز Leibnitz الذي ولد في سنة 1646 أن تعطى تسمية عروبية للغات السامية.

    وأنا أقدم كتابه الجديد (روما وريثة ومغتالة قرطاج، طبع دار هومة الجزائر 2012).
    عبد الرحمن بن عطية يكتب بالفرنسية ويعتمد في كتاباته على المراجع والنقوش الأوروبية. وياحبذا لو ترجمت كتبه إلى اللغة العربية حتى يطلع عليها العرب. فهو وأحمد سوسة العراقي، ورشيد الناضوري المصري، من المؤرخين المبدعين الذين لا ينقلون نقلا ببغائيا عن المؤرخين الأوروبيين. يقول بن عطية:
    كانت إيطاليا قبل تأسيس الأمبراطورية الرومانية مسكونة من مجموعة من الأجناس، من شعوب تعود إلى أصل واحد، لكنها تحمل أسماء مختلفة، يتكلمون عدة لغات تعود إلى جذر لغوي واحد متفرعة إلى عدة لهجات تختلف عن بعضها اختلاف المناطق والنواحي، تشير إلى بنية لغوية أصلية غنية وتعدد المعاني للكلمات. كتابة هذه اللغات كانت من اليمين إلى اليسار مستعملة الحروف الهجائية الكنعانية الفينيقية أي الخط العروبي الذي تتفرع منه سائر الخطوط الإيطالية والأتروسكية، أرسطو يقول: 'إن القرطاجنيين (أي الكنعانيين) والأتروسك يكوّنون في الماضي أمة واحدة'. مثلما أورد هورجون J.Heurgon في كتابه (روما والبحر المتوسط الغربي) 'أن المنطقة التي تقع فيها هذه الأمة تمتد من مارسيليا وحتى مدينة جنوة والتي تسمى بليغوريا والتي تشمل معظم مساحة إيطاليا بما فيها منطقة روما، فالأتروسكيون جاءوا من آسيا هم ليسوا هندو أوروبيين بل هم شرقيون انتشروا ابتداء من القرن التاسع قبل الميلاد في مساحة أيطاليا بل وشمالها وحتى مرسيليا'.
    إن الأتروسكيين يمثلون جماعات فينيقية آتية من فينيقيا الكبرى الممتدة من شواطئ أنطوليا في شرقي البحر المتوسط وحتى شمال الرافدين إلى جنوب البحر الأسود. تنقلوا على عدة هجرات ابتداء من القرن الثالث عشر قبل المبلاد. اختلطوا بعدة جماعات لكنهم حافظوا على أساس اللغة الفينيقية والعروبية بصورة عامة. أما العمارة الأتروسكية فهي مستمدة من العمارة المصرية والبابلية في بنائهم للقصور والمعابد والمدن والجسور والطرق وفي الفن والنحت بالحجارة والبرونز، والبناء بالآجر والطين المشوي؛ والنسيج كلها مستمدة من التراث العروبي.
    ظهور اللغة اللاتينية جاء نتيجة للتحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها شبه جزيرة إيطاليا بعد تدمير أمبراطورية قرطاج وصعود الأمبراطورية الرومانية، فصارت اللغة اللاتينية اللغة المشتركة لسكان روما مثلما كانت اللغة الأتروسكية اللغة المشتركة لسائر سكان إيطاليا. لكن اللغة الأتروسكية استمرت مستعملة حتى نهاية القرن الأول الميلادي.
    ولم تبرز اللغة اللاتينية كلغة أدب إلا في القرن الأول قبل الميلاد، قبل هذا التاريخ كانت النصوص الرسمية الإدارية والنصوص الدينية محررة بالأتروسكية العروبية بخط يكتب من اليمين إلى اليسار.
    أوروبا قبل غزو القبائل الهندو أوروبية لها في 1300 قبل الميلاد كانت شعوبها تتكلم اللغات العروبية كالأكادية والآرامية والكنعانية والفينيقية والأشورية والبربرية؛ فالعروبيون لم يمثلوا جنسا واحدا وإنما كانوا يتكلمون اللغات العروبية التي يسميها المؤرخون الأروبيون السامية. علما بأن مصطلح السامية لم يظهر إلا في القرن الثامن عشر الميلادي.
    اللغة اللاتينية ورثت بشكل طبيعي اللغة الأتروسكية العروبية التي كان يتحدث بها في معظم شبه الجزيرة الإيطالية حتى القرن الأول الميلادي، إلى جانب لغات أخرى عروبية، وليس صدفة أن يعتز يوليوس قيصر بانتمائه إلى ترويون آسيا الصغرى إلى إيني الذي 'يعبر بطريقة أسطورية عن ديانات الأتروسك الشرقية' (كما ذكر معجم روبير الصغير الموسوعي)، وأن يعتز مالابارت C.Malaparte الكاتب الإيطالي المعاصر بانتمائه للأتروسك، وأنه يعتبر مؤلفات دانتي زهرة الأدب الأتروسكي. وكذلك إسكندر المقدوني الذي تعتبر أصوله عروبية. وهذا يؤكد رأي بن عطية أن الأتروسك، والرومان، والكوزاك، والليبيين الفينيقيين، والإيبيريين البربر، يعودون إلى أصل واحد.
    قبل تأسيس الأمبراطورية الرومانية كان الرومان يعتبرون أنفسهم أتروسك. حتى القرن الثاني قبل الميلاد كان تعليم الأحكام الأتروسكية تحت حماية مجلس الشيوخ الروماني (حسبما ذكر شيشرون Cic'ron) بحيث كانت اللغة الأتروسكية هي الرسمية بإيطاليا إلى أن حلت محلها اللاتينية، ففي أثناء الحرب البونية الثانية كانت المدن الأتروسكية تتعامل بعملة عليها صورة القائد القرطاجي حنّا بعل. ويشير المؤلف إلى ما ورد في كتاب عثمان سعدي (الجزائر في التاريخ)، صفحة 67، 'إنه لدى عودة أسرى الحرب الرومان لروما، رووا عجائب عن المستوى الحضاري الراقي الذي شاهدوه في مدينة قرطاج، رووا عن ستائر الزجاج المغزول، ومجامر البخور الفضية، والحمامات البخارية المعطرة، وفي ذلك العام أي سنة 200 ق. م أمر مجلس الشيوخ ببناء أول حمام عمومي بروما وفقا لرسومات هؤلاء الأسرى العائدين'[1]. وهذا يؤكد أن روما كانت تعتبر نفسها تلميذة حضاريا لقرطاج الكنعانية، الأمر الذي لا يتناقض مع الأصول الشرقية الأتروسكية لروما. وحتى يقضي الرومان على هذا العنصر التاريخي بريادة قرطاج الكنعانية بالبحر المتوسط حضاريا وثقافيا دمروا قرطاج سنة 146 ق. م. ثم جاء المؤرخون الأروبيون فأسسوا الحضارة الحديثة على الثقافة اليوانانية اللاتينية مسدلين ستارا من التعتيم على الجذور الشرقية العروبية لأوروبا نفسها.
    فعندما اكتشف العلماء الفرنسيون والبريطانيون اللغة السنسكريتية في الهند بالقرن الثامن عشر الميلادي وتبين قرب اليونانية منها سخطوا بل وذهبوا إلى نكرانها لأنها تبين الجذور الشرقية للغة اليونانية.

    ويلخص بن عطية كتابه فيقول:
    في أكثر من ألفي سنة قبل الميلاد، وجدت دولة كبرى، أول دولة بأوروبا تمتد من شواطئ البحر المتوسط بما في ذلك إبطاليا، وحتى بحر البلطيق، إنها دولة الليغور (Ligure) أو الدولة (الليبية الإيبيرية)، دولة تتكلم فيها شعوب لغة ليست الهندو أوروبية. وقبيل حلول المسيحية اختفت هذه الأمبراطورية الليبية الأوروبية المنتمية لقرطاج، والتي كانت تمتد إلى جنوب البحر المتوسط أيضا، شاملة لسائر الحوض البحر المتوسط، بما في ذلك جزره الكبرى صقلية، وسردينيا، وكورسيكا، فحلت محلها الأمبراطورية الرومانية، بعد تدمير قرطاج من طرف روما في 146 ق. م. كل المؤرخين يعترفون أنه وجدت الأمبراطورية الأتروسكية بإيطاليا ككيان مموحد لإيطاليا قبل تأسيس روما في 753 ق.م. والأتروسك يتكلمون لغة غير هندوأوروبية ويستعملون كتابتها من اليمين إلى اليسار. لكن معظم هؤلاء المؤرخين الأوروبيين لا يعترفون بوجود مجموعات بشرية أصيلة عروبية في شبه الجزيرة الإيطالية فينيقية، ليبية، ليبية إيبيرية وغيرها... بالرغم من أن أرسطو أكد 'أن القرطاجيين والأتروسك كانا في الماضي أمة واحدة'. ويكتب كلي ريدان S.Cl's-Reden'إن سكان شبه جزيرة إيطاليا الأولين ينتمون إلى جنس بحر متوسطي عائدة أصوله إلى الإيبيريين وإلى شعوب شمال إفريقيا'.
    * لقد تنبه قلة من المؤرخين الغربيين النزيهين إلى هذا التزييف التاريخي الذي يقول بأن أصل الحضارة الإنسانية مهدها اليونان، فالمؤرخ الفرنسي بيير روسي Pierre Roi في كتابه (وطن إيزيس : تاريخ العرب الصحيح La Cit' DIsis :Vraie histoire des Arabes)، الذي طبع سنة 1976 بباريس : تعقب الحضارة الإنسانية من خلال اللاهوت والمعتقدات الوثنية والمنزّلة منذ آلاف السنين، وأثبتَ حقيقة أن جذور الحضارة الإنسانية وبخاصة في مهدها بالبحر المتوسط كانت عربية: فهو يقول : 'أن الثقافة اليونانية والثقافة الرومانية اللاتينية ما هما إلاّ شرفة صغيرة في صرح الثقافة العربية الكبير، وأن النزعة التعصبية الأوروبية أخفت هذه الحقيقة لتبرز زورا أن جذور الحضارة الأوروبية يونانية'. 'إن الإسكندر بصفته ملكا آراميا، ينتمي إلى التقاليد التاريخية العربية، لكن أغلب المعلقين يتجاهلون ذلك، يرتكب تلامذتنا نفس الخطأ، فالإسكندر تسمية آرامية قديمة اكتسبها اليونان وحولوها إلى ألكسندروس Alexandros، فإذا كان العرب يسمون الإسكندر فليس ذلك تقليدا لابن فيليب المقدوني، بل إنه هو المدين لهم بذلك'[2]
    وخير من لخص فضل الكنعانيين الفينيقيين العروبيين على البشرية وعلى أوروبا بالذات مؤرخ الحضارات الكبير الأمريكي ويل ديورانت عندما قال: 'أقاموا لهم حاميات في نقط منيعة على ساحل البحر المتوسط، أقاموها في قادز، وقرطاجنة، ومرسيليا، ومالطة، وصقلية، وسردانيا، وقورسيقة، بل وفي إنجلترا البعيدة. واحتلوا قبرص، وميلوس، ورودس، ونقلوا الفنون والعلوم، من مصر، وكريت، والشرق الأدنى، ونشروها في اليونان، وفي إفريقيا، وإيطاليا، وإسبانيا؛ وربطوا الشرق بالغرب بشبكة من الروابط التجارية والثقافية، وشرعوا ينتشلون أوروبا من براثن الهمجية'.[ 3 ]
    فامتداد الفينيقيين الكنعانيين لم يقتضر على أوروبا كما يقول ديورانت، بل وصلوا إلى أمريكا في القرن السادس قبل الميلاد وتركوا آثارا في أمريكا منها حضارة ماية، فقد اكتشف نقش البرازيل الكنعاني الفينيقي في مدينة بارايبا سنة 1874 يثبت أنهم وصلوا لأمريكا ولم يعودوا [4]. وقد قيل أن كريستوف كولومب عندما وصل لأمريكا وجد قرى يتحدث سكانها الفينيقية وكان يرافقه عرب أندلسيون تحدثوا معهم بلا ترجمان, ويقال أنه عندما علم كولومب أمر بإبادتهم حتى لا يسجل التاريخ أن غيره وصل من العالم القديم إلى العالم الجديد. ونقش البرازيل الكنعاني يقول أن عشر سفن وجهتها العواصف ومزقتها فوصل الشواطئ الأمريكية اثنا عشر رجلا وثلاث نساء فقط، ومن غير شك فقد تناسلوا على عدة قرون وتكونت منهم جماعات.
    بل إن المؤرخ الأمريكي ويليام لانغر يرى بأن أصول سكان جنوب أوروبا عروبية فيقول: 'وانتشر فرع من عناصر البحر المتوسط والصحراء، الطويلة الرؤوس وأقاربهم من العرب والبربر وغيرهم في جنوب أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأدنى' [5]
    لقد أوردت أقوال هؤلاء المؤرخين الغربيين الثلاثة للتأكيد على أن كتابات عبد الرحمن بن عطية موضوعية أبعد ما تكون عن المبالغة. فبيير روسيه كتابه كله يؤكد على أن ثقافة اليونان وأوروبا والبحر المتوسط مستمدة من الحضارة العربية العروبية.
    _________
    [1] عثمان سعدي، الجزائر في التاريخ، صفحة 67، الجزائر 2011
    [2] بيير روسي، وطن إيزيس تاريخ العرب الصحيح، الترجمة العربية، صفحة 186 الجزائر 2006
    [3] ويل ديورات، قصة الحضارة، [الترجمة العربية] ـ القاهرة 1961 ـ ج 2، ص 313
    [4 ] عثمان سعدي مرجع سابق صفحة 777
    [5] وليم لانجر: موسوعة تاريخ العالم ـ الترجمة العربية، القاهرة 1962 ـ ج 1 ص 25 ـ 26
    Rome h'riti're parricide de
    Carthage
    Par Benatia Abderrahman
    القدس العربي 28/10/2012


    (1) تاريخ العربية، لغة العالمين
    لعبد الرحمن بن عطية: الساميون ابطال وهميون والتاريخ يجب ان يتحدث عن العرب
    الدكتور عثمان سعدي

    رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية
    صدر كتاب في الجزائر باللغة الفرنسية عنوانه : Histoire D'une Langue Universelle : L'Arabe، أي تاريخ اللغة العربية: لغة العالمين، للأستاذ عبد الرحمن بن عطية، طبع دار هومة. وهو يعتبر من أهم الكتب التي صدرت عن اللغة العربية، لأنه لا يقتصر علي تناول العدنانية التي نزل بها القرآن الكريم، وانما يتناولها كلغة قديمة سيطرت علي مساحات شاسعة من آسيا وأوروبا وافريقيا منذ آلاف السنين قبل أن تظهر متأخرا اللغة الهندو أوروبية.

    العربية الأم والعربية والعروبية:
    (وأود فتح قوس حول مصطلحين سأستعملهما في هذا المقال: مصطلح عربية ويعني اللغة العدنانية التي نزل بها القرآن الكريم، ومصطلح عروبية ويعني اللغات العربية القديمة التي سميت خطأ بالسامية، كالبابلية والأشورية والكنعانية الفينيقية، والمصرية القديمة، والبربرية، وغيرها... والمؤلف نفسه يستعمل المصطلحين: عربية Arabe، وعروبيةArabitژ و Arabique).
    المؤلف يري أن العربية الأم ظهرت قبل آلاف السنين، وتفرعت عنها لهجات عديدة هي اللغات العروبية: البابلية، والأشورية، والأكدية، والكنعانية الفينيقية، والآرامية، والحميرية، والسبئية، والثمودية، واللحيانية، والمعينية، والمصرية القديمة، والبربرية، وغيرها... ويذهب بعيدا فيؤكد من خلال مراجع غربية عديدة ونقوش، بأن اللغات العروبية انتشرت من شمال بلاد الرافدين نحو الشمال في القوقاز وحوضي البحر الأسود وبحر قزوين بل وحتي الهند، والصين؛ ونحو الشرق في فارس، ومصر وشرق افريقيا وشمالها باللغة العروبية البربرية التي انتشرت شمالا في أوروبا الغربية، ويستمعل المؤلف مصطلح (البربرية ـ الابيرية). وانتشرت اللغات العروبية نحو آسيا الصغري وشرق البحر المتوسط نحو أوروبا فاستوطنتها قبل غزو القبائل الهندو أوروبية بآلاف السنين، وقبل ظهور الحضارتين اليونانية والرومانية اللتين هما في أساسهما عروبيتان كما يري.
    يؤكد المؤلف أنه توجد علاقة حضارية بين الحضارات الثلاث الكبري: حضارة بين النهرين بالعراق، وحضارة اليمن، وحضارة وادي النيل. ويري أن اللغة الأم أو الجذع المشترك عندما اشتقت منه اللهجات العروبية وانتشرت وابتعدت عنه، ونتيجة لعوامل جغرافية واجتماعية نشأت لغات عروبية اكتسبت صيغا جديدة لكن يبقي عمودها الفقري متضمنا لخصائص اللغة الأم.

    الحضارات العروبية:
    ويعدد المؤلف الحضارات العروبية قبل الاسلام : حضارة وادي الرافدين والهلال الخصيب، حيث تكونت كيانات تجمعت في الامبراطورية الأكدية في 2740 قبل الميلاد. فمملكة أور التي ظهرت في 2150 ق. م. وفي سنة 1895 ق. م. ظهرت المملكة البابلية، وانحدر من سلالة ملوكها حمورابي الذي جلس علي العرش في 1792 ق. م. والذي اشتهر بقانونه الذي سمي باسمه وكتب باللغة الأكدية البابلية. وخلفت الامبراطورية البابلية الامبراطورية الأشورية سنة 1255 ق. م. والتي دامت ستة قرون. وحضارة مصر: ويري المؤلف أنه قبل ظهور الأسرة الأولي الفرعونية، هاجرت من الجزيرة العربية قبل الألف السادسة ق. م. قبائل عروبية استقرت بمصر واندمجت مع العنصر الموجود وتكونت مملكة متحدة بملك اسمه مينا في الألف الخامسة ق. م. الذي قدسه المصريون واعتبروه ابن حوروس (علما بأن حور اسم لاله عربي عند وثنيي الجزيرة العربية والذي يرمز له بالنسر). ويري ديودور الصقلي بأن العربية والمصرية القديمة تنحدران من أصل واحد. والهكسوس قبائل هاجرت من الجزيرة العربية وحدد تاريخ حكمها بمصر بين 1730 و 1580 ق. م. وحضارة جنوب الجزيرة العربية: التي كانت راقية مرتكزة علي الزراعة والتجارة التي تأتي بمنتوجات الهند و الصين وتسوقها بالمنطقة الآسوية والافريقية بل والأوروبية، وقد هاجرت من اليمن قبائل عديدة منذ آلاف السنين وحملت معها عناصر هذه الحضارة. ويذكر المملكة المعينية التي ازدهرت في منتصف الألفية الثانية ق. م.، ويتحدث المؤلف عن الثموديين الذين ظهروا في شمال الجزيرة العربية، والذين كان تأثيرهم ممتدا حتي الجنوب، فقد اكتشف 9000 نقش وكتابة، تبين أنهم كانوا بالجزيرة العربية قبل عدة ألفيات ق. م.، ويذكر المؤلف المملكة السبئية التي ظهرت عند ضعف المملكة المعينية، حوالي 800 ق. م. والتي بنت سد مأرب في 650 ق. م. وسدودا أخري حولت المنطقة الي مساحات خضراء أشبه بجنات عدن. ويتحدث عن الفينيقيين الذين ظهروا منذ الألفية الثالثة ق. م. الذين انتشروا بحريا في شمال البحر المتوسط وشرقه فبنوا مراكز تجارية أولا، ثم استقروا بشمال افريقيا كامبراطورية عظمي هي امبراطورية قرطاج. وعدة مدن اسبانية، بناها الفينيقيون بل بنوا مدينة مرسيليا جنوب فرنسا قبل القرن الثالث عشر ق. م. باسم ماسّاليا.

    انتشار اللغات العروبية:
    وحيثما انتشر هؤلاء العروبيون انتشرت معهم لغاتهم وكتاباتهم العروبية، في شمال بلاد الرافدين والمناطق القوقازية قبل الألفية السادسة ق. م.، وتبعا للهجرات العروبية التي اتجهت شرقا نحو فارس والهند الغربية وآسيا الوسطي، وفي اتجاه الجنوب نحو شبه الجزيرة العربية وشواطئ المحيط الهندي والبحر الأحمر، وفي اتجاه الغرب نحو محيط البحر الأسود وشرقي البحر المتوسط حتي وادي النيل ثم في اتجاه شمال افريقيا حتي المحيط الأطلسي في ايبيريا. ويوضح المؤلف فيقول: ان الحامية والسامية عندي هي العروبية (صفحة 57). يقول المؤلف: ان أقدمية اللغات العروبية حقيقة تاريخية مؤكدة، في الألفية الثالثة ق. م. كانت اللغات العروبية مستعملة خارج الجزيرة العربية: بين الرافدين، في القوقاز من خلال الأكدية السائدة في الامبراطورية الأشورية؛ والفينيقية أو الكنعانية في الهلال الخصيب وفي آسيا الصغري وفيما بعد امتدت في الامبراطورية الاستيطانية التي وصلت حتي اوروبا الغربية... في الألفية الأولي ق. م. انتشرت الآرامية وصارت اللغة الرسمية للامبراطورية الفارسية ثم صارت بتطور طبيعي في بداية العهد المسيحي اللغة الدينية للديانة المسيحية... وبقصائد راس شمرا وقانون حمورابي صارت اللغات العروبية لغات حضارية كاملة قبل ظهور اللغات الهندوأوروبية مع غزو القبائل الهندو أوروبية الشرسة غير المسيسة في التواريخ التالية:
    ـ بعد 1775 ق. م. بآسيا الصغري مع الحيثيين
    ـ بين 1500 و 1200 ق. م. في الهند
    ـ ابتداء من القرن الثاني عشر ق. م. في اليونان مع الهلينيين
    ـ في القرن السابع ق. م. في ايران مع الميديين والفرس
    ـ في القرن السادس ق. م. في ايطاليا مع الرومان...
    ويقول المؤلف: وعلي كل فان المؤلفين اتفقوا علي أن ولادة اللغات الهندو أوروبية لم تكن قبل القرن السادس عشر ق. م. (صفحة 133 ـ 136).

    اللغة العروبية لغة سائر الديانات السماوية، وكتاباتها:
    يري المؤلف أن اللغات العروبية كانت لغات سائر الديانات السماوية: ابراهيم الخليل كانت لغته الكلدانية والتي تسمي البابلية أيضا. والتوراة الأصلية نزلت باللغة الكنعانية. والانجيل نزل بالآرامية. والقرآن الكريم باللغة العربية العدنانية. ويري المؤلف بأن اللغة العربية هي البداية والنهاية للغات العروبية... ويرسم المؤلف جدولا عن كتابات اللغات العروبية كما يلي: الكتابة المسمارية قبل الألفية الرابعة ق. م.، الكتابة الثمودية المسند الأول شمال الجزيرة العربية بالألفية الرابعة ق. م.، كتابة جنوب الجزيرة العربية المسند الثاني في نهاية الألفية الثانية ق. م.، الكتابة الهيروغليفية بمصر قبل الألفية الرابعة ق. م.، كتابة سيناء 1850 ق. م.، الكتابة الفينيقية الهجائية المنظمة بفينيقيا وسورية وآسيا الصغري ابتداء من القرن الرابع عشر ق. م.، الكتابة الآرامية بالهلال الخصيب ابتداء من القرن السابع ق. م.، ثم كتابة الحيرة ابتداء من القرن الثالث الميلادي. ثم كتابة وسط الجزيرة العربية بالحجاز ابتداء من القرن الخامس الميلادي.
    وفيما يتعلق بقرابة اللغات العروبية باللغة العربية العدنانية يرتكز المؤلف علي رأي الباحث السوري محمد بهجت قبيسي الذي يقول بأن قرابة الكنعانية بالعربية تمثل 94% و65% بين العربية والأكدية ولغات جنوب الجزيرة العريبة.
    ويري المؤلف أن سائر اللغات العروبية قد ماتت، واللغة الوحيدة الباقية حية هي البربرية التي لا زالت حية يتحدث بها شفويا في شمال افريقيا. وللمؤلف كتاب بالفرنسية عن البربرية يقر فيه بعروبتها ويراها منحدرة من الجزيرة العربية، ومنتشرة قبل آلاف السنين من الهملايا بالهند الي الأردين بغرب أوروبا. ويتفق مع كتابي (الأمازيغ البربر عرب عاربة). ويقر هذه الحقيقة التاريخية المؤرخ الأمريكي ويليام لانغر في كتابه (موسوعة العالم) ج 1 فيقول: وانتشر عنصر من عناصر البحر المتوسط والصحراء، الطويلة الرؤوس وأقاربهم من العرب والبربر وغيرهم في جنوب أوروبا وشمال افريقيا والشرق الأدني. ويري المؤلف بأن اللغة المالتية لغة عروبية.

    اللغات نصف العروبية:
    وبعد أن استعرض اللغات العروبية الكاملة يستعرض المؤلف اللغات نصف العروبية مثل : اللغة اليونانية الكلاسيكية، ـ وللمؤلف كتاب بالفرنسية عنوانه (تاريخ استيطان عروبي في اليونان القديم)؛ واللغة الآشيية أو الآخية التي كان يتحدث بها في اليونان القديم وأصلها أشورية فينيقية، واللغات القوقازية القديمة، واللغة الغالية، وللمؤلف كتاب بالفرنسية عنوانه: (العرب أسلاف الغاليين)؛ واللغة التركية، ولغات بالهند، وفي افريقيا: المالي، والسواحيلي، والوولف ولغات افريقية أخري. ويستشهد المؤلف بالمستشرق الفرنسي رينان E.Renanالذي يري: بأن اللغة العربية موجودة في كل مكان بافريقيا، فبفضل العربية وجدت حضارات وبعض الآداب بافريقيا -والأفارقة المقصودون هم السود-.
    ويورد المؤلف جداول يقارن فيها من خلال كلمات بين اللغات العروبية.

    العلاقة العائلية بين اللغات العروبية:
    ويخصص المؤلف الفصل الثاني من الكتاب للعلاقة الأسرية بين اللغات العروبية: كالصرف، وجذر الكلمة المشترك، والاشتقاق، والابدال، والاعراب، والزوائد أي الحروف الزائدة، والكتابة والصوتيات، ومعجم المفردات، والتضاد والتقابل، وتعدد المعاني للكلمة الواحدة، مع جذر أر او را الفينيقي، والكلمات التي تملك جذرين في البربرية والفينيقية، وجذر رع في البربرية والمصرية. وقد استعان المؤلف بسرد كلمات بالحروف العربية للعربية والعروبية، كما رسم جداول، ويعتبر هذا المفصل من أهم الفصول الغنية التي بذل فيها المؤلف جهدا يشكر عليه.
    ويورد المؤلف قول عالم المصريات بريستد Breasted : بأن المجموعات النازحة بلغاتها العروبية لمصر من الجزيرة العربية قبل الألف السادسة ق. م. هي التي ساهمت في تحقيق وحدة الملكية التي جاءت باسم برعوي الذي صار فيما بعد فرعون. ويعلق المؤلف أنه في اللغة العربية جذر رع، يشتق منه راع بمعني راع وحاكم. وينطلق المؤلف في تتبع الجذور في العربية والعروبيات. كلها تؤكد العلاقة الأسرية بين اللغات العروبية التي لعبت الوحدة الجغرافية من المحيط الأطلسي وحتي المحيط الهندي دورا هاما في الحفاظ عليها منذ آلاف السنين، جعلت مستشرقا كرينان E.Renan يقول: ان هذه اللغة التي لم يعرف مصدرها، تتقدم لنا ـ بصورة مفاجئة ـ كلغة متقنة وفي كلمة واحدة كاملة، ومنذ هذا التاريخ (ويقصد تاريخ مجيء الاسلام) وحتي يومنا هذا، لم يلحق بها أي تحوير مهم، انها لا تعرف لا الطفولة ولا الشيخوخة... ولا أدري هل يوجد مثَل آخر لغوي بالعالم شبيه بهذه اللغة خالية من أوضاع الهجر ومن توسّل أو تلمس متردد (صفحة 261).
    ثم يختم المؤلف هذا الفصل بجداول يقارن فيها جذر را بين العربية والفينيقية والبربرية والمصرية في كلمات تتعدد معانيها.
    ويخصص المؤلف الفصل الثالث لموضوع يعنونه (القرآن العربي واللغة العربية). ويشرح مصطلح (عربي)، و(عربي) في القرآن وفقا لمختلف القراءات، ويوضح (القرآن العربي) في القرآن، ويتناول (اللغة العربية) بالتعريف في التاريخ والقرآن، ثم يتطرق للعلاقة الدلالية لاسم عرب مع دعوات الأنبياء والرسل ويورد ذكره في التوراة في كلمات : عربوث، عربة. ويثري المؤلف كتابه بالاستشهاد بما ورد في الكتب المنزّلة ويورد الآيات مترجمة وباللغة العربية، كما يورد بعض الكلمات بالكتابة العبرية.
    ويعزز المؤلف رأيه حول امتداد العروبيين بالعالم فيستشهد بقول غوستوف لوبون في كتابه حضارة العرب: ان اللغويات تؤكد لنا بأنه في زمن معين قديما جدا، كانت المساحات الواسعة بين القوقاز وجنوب الجزيرة العربية مسكونة بجنس واحد، أي بشعوب كانت تتكلم لغة واحدة، والجنس الذي يقصده لوبون هو الجنس العربي واللغة هي اللغة العروبية. (صفحة 316). ويعرض المؤلف أقوال المؤرخين الأوروبيين عن الشخصية العربية المتميزة بصفات الفروسية، من كرم ونبل وشجاعة وذكاء. ومهارة في ركوب البحر والتجارة.

    الخلاصة:
    أولا: ان ما ورد في هذا الكتاب يؤكده ـ كما ذكر المؤلف ـ العديد من المؤرخين واللغويين الأوروبيين، فقد لخص فضل الفينيقيين علي البشرية مؤرخ الحضارات الكبير ويل ديورانت عندما قال: أقاموا لهم حاميات في نقط منيعة علي ساحل البحر المتوسط، أقاموها في قادز، وقرطاجنة، ومرسيليا، ومالطة، وصقلية، وسردانيا، وقورسقة، بل وفي انكلترا البعيدة. واحتلوا قبرص، وميلوس، ورودس، ونقلوا الفنون والعلوم، من مصر، وكريت، والشرق الأدني، ونشروها في اليونان، وفي افريقيا، وايطاليا، واسبانيا؛ وربطوا الشرق بالغرب بشبكة من الروابط التجارية والثقافية، وشرعوا ينتشلون أوروبا من براثن الهمجية. ويقول المؤرخ الفرنسي بيير روسيه: كل شيء يمكن أن يكون بسيطا لو أننا بدل أن نتحدث عن الساميين ـ الأبطال الوهميين ـ نتحدث عن العرب، عن الشعب الذي وجد في الواقع، له كيان اجتماعي وثقافي ولغوي دائم، الشعب الذي منح الحياة والتوازن للبحر المتوسط منذ آلاف السنين. اذن ما ورد في هذا الكتاب لا يعتبر مبالغا فيه.

    ثانيا: لقد اتفق المؤلف مع المؤرخين واللغويين العرب مثل المؤرخ العراقي أحمد سوسة وبخاصة في كتابه القيّم (الحضارة العربية ومراحل تطورها عبر العصور)، ومثل المؤرخ العراقي جواد علي، والمؤرخ المصري رشيد الناضوري، واللغوي السوري محمد بهجت قبيسي الذي استشهد المؤلف ببحوثه، وعلي فهمي خشيم الليبي الذي ملأ المكتبة العربية بمعاجم تثبت عروبة اللغات العروبية وعثمان سعدي الجزائري.

    ثالثا: ضرورة نشر كتاب عبد الرحمن بن عطية هذا في أوروبا وبخاصة في فرنسا ليطلع عليه المغتربون العرب والقراء الأوربيون، لأنه يرتكز علي أبحاث ودراسات لمؤرخين ولغويين أوروبيين.
    القدس العربي 2005


    (2) الجذور العربية للغة اللاتينية
    لعبد الرحمن بن عطية: أوروبا كانت تتكلم اللغات العروبية!
    الدكتور عثمان سعدي
    رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية
    صدر هذا الكتاب في شهر نوفمبر تشرين الثاني 2010 من دار هومة بالجزائر. في 790 صفحة، أثبت فيه المؤلف أن 67 ' من جذور كلمات اللاتينية لها أصول عربية. وقد سبق للكاتب أن أصدر سنة 2008 كتابا عنوانه: (العرب والهندو أوروبيون Arabes et indo-europ'ens) يثبت فيه أن أوروبا قبل غزوها من طرف القبائل الهندوأوروبية في نهاية الألف الثانية قبل الميلاد، كانت شعوبها تتكلم اللغات العروبية كالأرامية والبابلية والأشورية والبربرية، حيث كانت أوروبا مزروعة بمستوطنات عروبية. ويستعمل المؤلف مصطلحarabique للتعبير عن مصطلح عروبية بدل مصطلح السامية الذي بطل استعماله بسبب مدلوله الأسطوري.
    ويستعمل كلمة عربي Arabe تسمية للعربية الحديثة العدنانية التي نزل بها القرآن الكريم. وقد رفض رينان E.Renan مصطلح السامية في كتابه الهام (تاريخ اللغات السامية) واقترح أن تعطى لها التسمية السورية العربية. كما اقترح لايبنيتز Leibnitz الذي ولد في سنة 1646 أن تعطى تسمية عروبية للغات السامية.
    سبق للكاتب بن عطية أن قدمته لقراء العربية في سنة 2005 من خلال كتابه الهام : (تاريخ العربية لغة العالمين) الذي ألفه بالفرنسية.

    عبد الرحمن بن عطية يكتب بالفرنسية ويعتمد في كتاباته على المراجع والنقوش الأوربية.
    يعتمد المؤلف على قاموس مهم عنوانه (القاموس اللاتيني ـ الفرنسي للمؤلفين بينواستBenoist وغولزير Goelzer طبع دار غارنيي Garnier الفرنسية سنة 1892 الذي نشر في فرنسا وألمانيا، ويحتوي على كل الكلمات اللاتينية.

    العروبيون في أوروبا
    يثبت بن عطية وجود مستوطنات عروبية حدثت في اليونان القديم اشتقت من لغاتها ا اللغة اليونانية. (وقد أكد هذه الحقيقة المؤرخ الفرنسي بيير روسي في كتابه وطن إيزيس تاريخ العرب الحقيقي)، ومن اللغة اليونانية انطلقت اللاتينية التي تأسست في القرن الثالث قبل الميلاد. فاللغة اللاتينية أخذت من اللغات العروبية قبل الإسلام، بينما اللغات الأوروبية الحديثة أخذت من العربية من الأندلس العربي المسلم. فاللغة الفرنسية التي ظهرت في القرن الثاني عشر الميلادي تأثرت كثيرا باللغة العربية.
    سُبقت اللاتينية بآداب للغات عروبية قرونا عدة، كالآرامية مثلا التي ظهرت في بداية الألف الثانية قبل الميلاد وكانت لها آداب لامعة. وفي الشمال انتشرت اللغة الكنعانية الفينيقية في الساحل الشامي وشمال إفريقيا، وفي آسيا الصغرى: تركيا وأرمينيا وكردستان، مثلما يرى سترابون Strabon الذي يؤكد أنها حتى القرن الأول الميلادي كان يتحدث بها في هذه المناطق. وفي القرن الرابع عشر قبل الميلاد ظهرت الحروف الهجائية الكنعانية الفينيقية التي تعتبر الجذر الذي تفرعت عنه الحروف اليونانية فاللاتينية. وقد عثر في شمال سوريا على قصائد كنعانية تعود إلى الألف الثالثة قبل الميلاد. واللغة البابلية لغة الرافدين التي كتب بها قانون حمورابي الذي تراوح تاريخه بين 2300 و 1800 ق. م. حسب المؤرخين. فدورمي G.Dhorme في كتابه (العربية الفصحى ولغة حمورابي) يشير إلى العلاقة العميقة المعجمية والنحوية بين العربية الفصحى والبابلية لغة حمورابي. ومعنى هذا أن لغات عروبية كانت لها آداب ثرية منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد.
    غوستاف لوبون G.Lebon في كتابه الحضارة العربية يرى 'أن الأشورية، والكلدانية، والفينيقية، وغيرها من اللغات التي يقال عنها سامية تنحدر كلها من أصل واحد'.
    في كتابه (تاريخ الاستيطان العروبي في اليونان القديم) بين فيه بن عطية أن اليونان سُكن من العروبيين واستشهد بالعدبد من المؤرخين الأوروبيين الذين يؤكدون أن الجماعات التي سكنت اليونان القديم لم تكن هندوأوروبية وإنما شرقية. وقد استعرض كلمات مثل :ward,wrodan تعني زهرة وهي التسمية العربية ورد. وكلمة borg وتعنى القلعة او المدينة وهي الكلمة العربية برج. وكلمة sami وتعني المكان المرتفع، وهي كلمة عربية سامي, ويقول بن عطية فقد خلصنا في كتابنا بأن اليونانية القديمة لغة عروبية. ويقول المؤرخون أن اليونان القديم لم تكن فيه لغة واحدة وإنما عدة لغات وكل واحدة منها تنتمي إلى استيطان معين : أشوري، كنعاني، مصري وغيرها. وعلى كل فالعديد من الكلمات العربية ثبتت في اليونانية الكلاسيكية بعد بروز الكوينية koin'سواء بأسلوب مباشر أو بأسلوب محجب بكتابة محرفة لفظيا ككلمة وازيس oasis وتعني واحة حرفت قليلا. فالحاء تتحول إلى سين.
    وعن طريق اليونانية الكلاسيكية دخل العديد من الكلمات العربية لقاموس اللاتينية. وعلى الخصوص وجود مجموعات عروبية بشبه الجزيرة الإيطالية وبصقلية والتي اعتبر أفرادها صقليمين أصلاء قبل قرون عديدة من مجيء القبائل الهندو أوروبية؛ في هذه الفترة ترسخت الكلمات العروبية في لغة روما. صقلية سُكنت في القدم قبل عزو القبائل الهندو أوروبية من طرف العيلم الذي قال عنهم كورتيوس E.Curtius في كتابه التاريخ اليوناني، بانهم آسيويون ولهذا فعندما جاء الفينيقيون لصقلية رحب بهم سكانها لأنهم ينحدرون من أصل واحد وهوالأصل العروبي. سُكنت إيطاليا من طرف الليغور والإتروسك، وهما شعبان غير هندوأوروبيين. الليغور كانوا بحارة مهرة وحسب العديد من المؤرخين فإن الليغور ينتمون إلى جنس واحد مع الفينيقيين. أما دوتان G.Dottin فيرى بـان الليبيين (البربر الأمازيغ) الذين سكنوا إيبيريا التي وصلت في انتشارها حتى نهر الرون الذي يعتبر حدود ليبيا كما يرى فيلياس Phileas، ففرعان من نهر الرون كانا يحملان اسم ليبيكا، ومدينة في لوزيتانيا (البرتغال الحالي) تحمل اسم ليبيا إلخ... فدوتون يقول: 'إن الليغور هم بربر أيبير وأمبراطوريتهم كانت تمتد حتى وسط إيطاليا'، ومن المعلوم أن تسمية نهر الرون في أصلها رودانوس وإذا حذفنا اللاحقة اليونانية س يصير الاسم رودان أي نسبة لنهر الأردن في بلاد كنعان. ويؤكد المؤرخون الأوروبيون بأن الإيبر ما هم إلا بربر أمازيغ هاجروا من إفريقيا إلى جنوب أؤرويا ويسمونهم اللوبيون الفينيقيون.
    اما الإتروسك فجذر التسمية عروبي (بربري) وهو إسك وتعني قرن، ينتمون للعروبيين، وهم من أصل واحد مع الفينيقيين الذين يقول عنهم غوستاف لوبون: 'وعن طريق قوافل اخترقت جرمانيا يستقبل الفينيقيون في مدخل نهر بو ما يصلهم من شواطئ البلطيق'. وهذا يؤكد أن الفينيقيين تمركزوا في وسط أوروبا في نواحي نهر الدانوب وبلاد إيليريا بالبلقان. هم تمركزوا في مالتا في القرن الثالث عشر ق. م. وفي سردينيا وقادس بإسبانيا في القرن الحادي عشر. فلاروس الكبير الموسوعي يقول 'أن الفينيقيين انتشروا في صقليا وإيطاليا وغالا '.

    أباطرة رومان عروبيون
    ويفرد بن عطية فصلا عنوانه: (في روما: أباطرة وبابوات من أصل عروبي هو انعكاس ورمز لاستيطان). يقول عندما غزت القبائل الهندو أوروبية أوروبا كان أفرادها يمثلون أقلية بالنسبة للمواطنين الذين كانوا ينتمون للعالم العروبي: من آسيا (من الرافدين، من الفينيقيين، من الأناضول، وغيرها...). ومن إفريقيا (مصر، بربر)، كل هذه الشعوب كانت تتكلم لغات عروبية. فمع بداية التاريخ الميلادي حكم روما أباطرة عروبيون: تراجانTrajanسنة 97 م، ويستمر حكم الأباطرة العروبيين حتى 249 م فالأمبراطور سبطيم سفير Septeme severe الكنعاني، زوج جوليا ابنة كاهن في حمص بسوريا، حكم العالم من مدينة لبدة الليبية الكنعانية وابنه كاركلا. وقد حكم أباطرة بربر إإيبيريون عروبيون روما مدة 116 سنة مستمرة. كما تولى البابوية ثلاثة من البربر وإيبيري سيّروا الكنيسة الكاثوليكية، الأول فيكتور الأول ابتداء من 189 م، وآخرهم جيلاس الأول من 492 إلى 496 م. وعروبيون آسيويون أعطوا لروما أباطرة : فيليب العربي الذي حكم بين 244 و 249 م. وستة بابوات سوريون. هذا كله يبين الدور الكبير الذي لعبه العروبيون الذين كانوا يمثلون شعوبا كاملة تعيش بأوربا وبخاصة بشبه جزيرة إيطاليا، الذين وضعوا أسس اللغة اللاتينية المليئة بالكلمات العربية التي تعود إلى المرحلة العروبية.

    الإتروسك العروبيون السابقون بإيطاليا
    يتفق الكثير من المؤرخين الأوروبيين على أن شعب الإتروسك هو الذي عمر إيطاليا منذ القرن الحادي عشر قبل الميلاد، كانوا يمثلون امبراطورية كبرى تمتد من جبال الألب وحتى
    خليج طارانت، هؤلاء المؤرخون هم : جارد A.Jarde، و هومو L.Homo، وكريستولM.Christol، و نوني D.Nony/. فكاتون Caton يقول: 'إيطاليا كلها تقريبا كانت مملوكة للإتروسك'.
    والمؤرخون يؤكدون أن اللغة الإتروسكية لغة شرقية من آسيا الصغرى. كانت اللغات العروبية هي السائدة بإبطاليا واليونان قبل بناء اللغة الرومانية، فقد اكتشفت في مارسيلينا لوحة إتروسكية منقوشة على عاج بكتابة تعود إلى 700 سنة ق. م. تكتب من اليمين إلى اليسار. وقد ثبت أن الإتروسك استعملوا الكتابة الكنعانية الفينيقية مع إضافة ثلاثة حروف لها، وهذا يثبت انهم كانوا يتحدثون لغة عروبية (سامية)، والمؤرخون الأوروبيون متفقون على أن اللغة الإتروسكية ليست لغة هندوأوروبية، فعندما يستعملون في كتاباتهم الكتابة الفينيقية معنى هذا أن لغتهم شقيقة للكنعانية الفينيقية ترتكز على الصوتيات العروبية.

    ظهور اللاتينية
    ظهرت الكتابة اللاتينية في القرن الثالث قبل الميلاد، والمؤرخون يؤكدون انه في القرن السابع قبل الميلاد كانت بروما كتابات إتروسكية تكتب من اليمين إلى اليسار. ثم ظهرت اللاتينية بعد أن تمكن الرومان من هزم الإتروسك الذين كانوا يسيطرون على إيطاليا وذلك سنة 295 ق. م.، علما بأن الرومان والإتروسك هم أمة واحدة تتفرع إلى شعوب.
    الحروف اللاتينية مستمدة من الحروف الإتروسكية، والأرقام المسماة رومانية هي نفسها الأرقام الإتروسكية، وذلك وفقا للكتابة الإتروسكية المثبتة في المسلات الإتروسكية الموجودة في متاحف توسكان وأومبريا بوسط إيطاليا. لكن الكتابة تحولت من اليسار إلى اليمين. واستمرت لغات غير لاتبنية منها الإتروسكية يتحدث بها في إيطاليا من القرن الثالث قبل الميلاد وحتى القرن الأول الميلادي حيث اختفت.
    نماذج وأمثلة من الكلمات
    يعرض بن عطية جداول على نظام هجائي من خلال 638 صفحة من الكتاب، ويبين الجذور التي تعود إلى اللغات العروبية مفصلا كل لغة على حدة: الأكادية، الكنعانية، البابلية، الآرامية، البربرية، والعربية المستعربة.

    من العربية المستعربة:
    1 ـ أكر معناه حرث الأرض، AKR : AGER كلمة لاتينية معناها أرض صالحة
    للحرث. وقع تغيير في الجذر العربي، استبدل حرف الكاف في الجذر العربي بحرف
    G وهما حرفان يتبادلان.
    ـ حرث HRT : ARATIO معناها باللاتينية الحِراثة. ARATORمعناها حرّاث.
    HORTUS معناها البستان.
    ، أرس (الإريس من يحرث الأرض) ARS : RUS معناها باللاتينية الحقول، الريف،
    او منزل ريفي.
    2 ـ بلل BLL: BALINEUM معناها باللاتينية استحمام
    FLEO معناها باللاتينية بكى حولت الباء إلى فاء
    FLUO معناها باللاتينية سال
    LAVO معناها باللاتينية غسل، رش، بلل، يلاحظ إقلاب بين الجذرين
    بل ولاف
    PLUO معناها باللاتينية مطر قلب حرف ب إلى P
    3، باس، بوس قبل BWS : BASIO تعني بالاتينية بوسة أي قبّلة
    4 ـ جرم GRM: CRIMER تعني باللاتينية جريمة، عار، نبادل بين الجيم والكاف
    5 ـ الحرية ELEUTHERIA وتعني باللاتينية الحرية. نفس الكلمة في اليونانية
    6 ـ حمَّ HMM، CAUMA وتعني باللاتينية حمَّ، نفس الكلمة في اليونانية
    7 ـ عرب يقال عرب الماء صفا، ARB : EURIPUS تعني باللاتينية قناة، خندق
    مملوء بالماء، ساقية
    عربن ARRABO تعني باللاتينية عربون.
    من اللغات العروبية
    من البربرية
    أسنوس (حمار) ASINUS وتعني باللاتينية حمار
    أقراف (قرّ، برد) FRIGEO وتعني باللاتينية برد
    من اللغة الكنعانية الفينيقية
    خُرص (ذهب) ِCHRISOS وتعني باللاتينية ذهب
    كتن (نسيج كتان) TUNICA تعني باللاتينية نسيج كتان، قميص
    من اللغة الأكادية
    أوروم (ذهب) AURUM /AURO وتعنيان باللاتينية الذهب، لمعان الذهب
    من اللغتين البابلية والآرامية
    كنس /كنش (مجلس) ECCLESIA وتعني باللاتينية مجلس، مجلس كنسي، كنيسة، معبد. بالآرامية كنشتا وبالبابلية كنشتو معناهما دار المجلس، مجلس الكهنة.
    يستعرض بن عطية في كتابه سائر الكلمات اللاتينية
    وعددها 18459
    منها 15826 لها جذور عربية
    الجذور اللاتينية التي عرضها 2706
    الجذور العربية التي عرضها 1814

    جهد المؤلف:
    بن عطية طبيب، قام على حسابه بجولات في أوروبا بمتاحفها ومكتباتها، دون أن تتبنى جامعة جزائرية تكاليف ذلك، مثلما تعمل جامعات البلدان المتقدمة مع الباحثين. هو يقرأ العربية لكنه يكتب بالفرنسية. من الغريب أن صديقا له سويسريا طلب منه تسلبمه كتبه ليقدمها لمكتبة جامعة لوزان، وقدمها له، قدمت الكتب للمكتبة، لكن السويسري الذي قدمها فوجئ بعد أسابيع باستدعائه من دار الكتب السويسرية فالوا له : أعدها لصاحبها هذه الكتب لا تهمنا. فعلوا ذلك لأن الأوروبيين ولمدة خمسة قرون بنوا تراثهم على أن اليونانية واللاتينية هي الأساس للثقافة الأوروبية. ويرفضون من يأتي ليثبت لهم أن اليونانية واللاتينية مستمدتان من العربية.

    مؤلفات عبد الرحمن بن عطية، كلها بالفرنسية.
    1 ـ العرب في أوروبا قبل ميلاد المسيح
    2 ـ العرب أسلاف الغاليين
    3 ـ العرب حاضنو الكتب المنزلة الثلاثة
    4 ـ إيبيريا وبربريا
    5 ـ تاريخ الاستيطان العروبي في اليونان القديم
    6 ـ تاريخ العربية لغة العالمين
    7 ـ العرب والهندوأوروبيين
    القدس العربي 13/7/2011



    رحيل آخر ما تبقى من أعضاء مجموعة الـ 22 "المجاهد عبد القادر لعمودي"









    #الجزائر #المجاهد_عبد_القادر_العمودي #ثورة_نوفمبر ... آخر ما تبقى من أولئك الرجال الأفذاذ أعضاء مجموعة الـ 22 "المجاهد عبد القادر لعمودي", أديم الجزائر سيحتضن باعتزاز جثمان المجاهد عبد القادر لعمودي وستذكره أجيالها المتعاقبة وتفاخر به وبأقرانه المجاهدين والشهداء الذين وهبوا الوطن أنفسهم فوهبهم الله تعالى العزة والسؤدد .





     مقتطفات من كتاب شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية قبل سنة 1830 (01) لمولود قاسم نايت بلقاسم



    #الجزائر ... صَبيبُ المُزنِ أوّلُه قطرة، وعَصْفُ الريح مبدؤه نَسمة، وصادق الوحي أوّله رؤيا منام، وبعد تلك البدايات ينهمر الماء، أو تعصِفُ الأعاصير، أو يتواتر الوحي ...
    "أيها الوطن الحبيب:أما الشوق إليك فحدّث عنه ولا حرج، وأما فراقك فشدّة يعقبها الفرج، وأما الحديث عليك فأزهار تضوّع منها الأرج، وأما ما رفعتُ من ذكرك فسئ من دب ودرج، وأما الانصراف عنك فإرجاف بالغيّ لم يجاوز صاحبه اللوى والمنعرج، وأما الأوبة فما زلت أسمع الواجب يهتف بي: أن يا بشير، إذا قضيت المناسك، فعجّل الأوبة إلى ناسك ... وسلام عليك يوم لقيت من "عقبة" وصحبه بِرًّا، فكنت شامخًا مشمخرًّا، ويوم لقيت من "بيجو" وحزبه سرًّا، فسلّمت مضطرًّا، وأمسيتَ عابسًا مكفهرًّا، وللانتقام مسرًّا، وسلام عليك يوم تصبح حرًّا، متهللًا مفترًّا، معتزًّا بالله لا مغترًّا."(من كتاب آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي )

     
     
     
    #الجزائر #الأدب_الجزائري "... قد كنا أسمع بعض الرؤساء الأفارقة وهم ينادون بومدين بلقب PATRON، أما في الوطن العربي فكانا الثوار يلقبونه بالزعيم، وهذا ما حدث في سوريا سنة 1978 حينما ألقى بومدين خطابا عن التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل، ودُعي بعده ياسر عرفات للكلام فقال، فيما يرويه عبد الملك كركب، “كيف يمكن أن أتكلم بعد كلام الزعيم؟”، وهو ما يذكر هنا بكلمته الرائعة : نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة. وهكذا لكانت لجزائر بومدين أدوار بالغة الأهمية عبر الوطن العربي والقارة الإفريقية، بداية بمصالحة موريطانيا مع الجامعة العربية في بداية السبعينيات، ومصالحة السنغال مع غينيا في 1972 ومصالحة باكستان مع بنغلادش في 1974 ومصالحة إيران مع العراق في 1975 وكذلك مصالحة وليم هولدن مع أوغستينو نيتو في نفس السنة لإنقاذ ثورة أنغولا. وفي هذا السياق يجب أن نتذكر أن العلاقات الخارجية كانت تتميز بالاحترام المتبادل للأفكار وللمصالح، وتتسم بالحزم والصرامة فيما يتعلق بالمصلحة العليا للجزائر، مثلما حدث في مواجهة وحدة جربة المرتجلة بين ليبيا وتونس، التي قال عنها الرئيس الجزائري أن الجزائر يجب أن تستشار في كل ما يتعلق بقضايا المنطقة، وهي لا تجري وراء القطار بعد انطلاقه، والوحدة كالزواج يلزمها حسن الإعداد والاستعداد، وما حدث في جربة لم يكن أكثر من “زواج متعة”. وحدث أمر مشابه مع السادات إثر زيارته المشؤومة للقدس، والتي جاءت باتفاقية كامب ديفيد، التي قال بشأنها بومدين : إذا أنجزت هذه الاتفاقية شيئا ذا أهمية لمصر وللوطن العربي فإنني سأعتذر عن تنديدي بها، وفي غير ذلك فإن على الرئيس السادات أن يتراجع حفاظا على مصر وعلى المصالح العربية العليا. ولقد ذكرت يوما بما قاله لي وليم كوانت بمحضر عشرات الديبلوماسيين الجزائريين، من أنه لو كانت هناك ديموقراطية في مصر لما أمكن تمرير اتفاقية كامب دافيد. ولعل اعتزاز بو مدين بجزائريته تجسد في رفضه رفض دعوة من الرئيس شارل دوغول لزيارة فرنسا، قدمت عن طريق سفيرنا في دردشة له مع الرئيس الفرنسي، لأنه اشترط الدخول من الباب العريض وليس من الباب الخلفي، أي بدعوة رئاسية رسمية لزيارة دولة رسمية يعزف فيها نشيد الثورة الجزائري “قسما” في المطار، حيث يستقبل بو مدين من طرف الجنرال الفرنسي شخصيا، وهو ما لم يكن واضحا في الدعوة. وكانت خلفية بو مدين أنه يريد صداقة تحالفية مع فرنسا مبنية على مصالحة تاريخية تشبه مصالحة فرنسا – دو غول مع ألمانيا – أديناور، وكان بالتالي يرفض مصالحة من نوع مصالحة ألمانيا هتلر مع فرنسا بيتان. وأنا ممن يرون أن خلفية المصالحة التاريخية مع فرنسا كانت، بالنسبة للرئيس بو مدين، خطوة نحو إقامة كتلة دولية جديدة تتكامل فيها أوروبا الغربية مع الوطن العربي وإفريقيا، لتكون قوة تعادل دولي بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية. ومن هنا أصيب بو مدين بإحباط بعد خلال زيارة الرئيس ديستان للجزائر في منتصف السبعينيات، حيث أحس بان الرئيس الفرنسي كان أتفه من أن يفهم الأبعاد الحقيقية لمصالحة جزائرية فرنسية تقوم على احترام الحقوق التاريخية للجزائر والاعتراف بخطايا الاستعمار الفرنسي، وهو لم يفهم رسالة الرئيس الجزائري وهو يقول بأن صفحة الماضي مع فرنسا قد طويت نهائيا، ولهذا قال بو مدين في آخر خطبه الرسمية أن الصفحة طويت ولكنها لم تمزق. لكن أمانة المناضل تقتضي التنديد بإهمال الجزائر لواحد من أهم رؤسائها، ولا أحب أن أتهم أحدا بعينه والقول أن هذا التعتيم على شخصية بومدين متعمد، لكن المؤكد هو أن فكر الرجل ومبادئه وأسلوب حياته ونظرته الإستراتيجية لمشروع المجتمع الوطني كلها تشكل خطرا على مصالح السياسيين المحترفين ورجال المال الشرهين، وكثيرا ما كان الرئيس يردد : لو فشلت مشاريعنا في البناء الوطني فستعرف الجزائر طبقة من الكولون الجزائريين سيكونون أكثر شراسة من الكولون الفرنسيين”. وكان من الطبيعي إذن ألا يكون هناك بلد واحد من أمة “مهند” (حسبما عرفت) توقف لحظات ليترحم على رجل كان من أول أهمياته رفعة الوطن العربي وتكامله مع العالم الإسلامي وبروزه كقوة دولية لها وزنها واحترامها وفعاليتها. رحم الله بو مدين وفيصل وعبد الناصر والخطابي وعمر المختار وغيرهم من أحرار الأمة. وأمة تستهين بأفضل أبنائها لا يجب أن تفاجأ عندما تنالها الإساءة من أسوأ الأبناء، وأمة لا تعترف بفضل رجالها ستصبح لعبة في يد غلمانها. ذلك هو حكم التاريخ... "دكتور محيي الدين عميمور

    ... صباح الخير يا بلادي يا زينة البلدان , صباح الخير يا بلاد الرجال , صباح العزة و الكرامة ... لنا وطن يسكننا اينما كنا , نعم نحن جزائريون و كلنا فخر ... .يسعد صباح كل من يعشق الجزائر , أرض طيبة وهبها الله بركته وكساها برداء من الرضا والجمال الروحي والمادي .


    #الجزائر والآخرون



     

    دكتور محيي الدين عميمور     

    السجالات التي تعرفها الساحة الإعلامية في الوطن العربي ليست اختراعا خاصا بنا ولا عاهة خُلقية (بضم الخاء) نختص بها دون شعوب العالم قاطبة.

    فنظم العالم كل تضع في صلب مخططات تجنيد جماهيرها بندا رئيسيا هو خلق اعتزاز قومي، يصل أحيانا إلى مستوى تشنجات شوفينية تتجاوز كل حدود المنطق وكل دوائر المعقول، وهو ما نشهده اليوم في بلاد سقط جُلّ إعلامها إلى أسفل سافلين.

    ولعل أوضح الأمثلة على عالمية الأمر دعوات النقاء العرقي التي استند لها أدولف هتلر في إذكاء الروح القومية عند الألمان، وهم يتجرعون تداعيات هزيمتهم في 1919، وصفوفهم ممزقة بين يمين يبكي الماضي، ويسار يستلهم الماركسية، وعناصر طموحة تعمل للوصول إلى السلطة بكل الوسائل.

    والغريب أن بلدا آخر لا يمتلك خاصية الوحدة العرقية أو التاريخ المجيد لجأ إلى أسلوب مماثل، وهكذا رفع شعار “المثل الأمريكي” (L’exemple américain) ليكون عنصر تجنيد وتعبئة لشراذم أجنبية، أبادت من السكان المحليين من أبادت، وأضافت من الضحايا الأفارقة آلافا مؤلفة فقدت حياتها في سفن التهريب، التي اختطفت الشباب من قراهم لإقامة أسوأ نظام عبودية عرفه العصر الحديث، بل والعديد من العصور القديمة، وكان هدف التجنيد ومازال استبدال العار التاريخي للعالم الجديد بمزاعم تفوّقٍ، يدعمها التقدم العلمي الهائل والثروات المنتزعة من السكان الأصليين، وبقية سكان المعمورة.

    وتشرح نكتة طريفة ذلك عندما قال شرطي في مطار ما، لمسافر أمريكي وهو يرشده إلى ممر العبور: أهل البلد يمرون من هنا، أما أنتم الأجانب فتمرون من هناك، ويجيب الأمريكي: أنا لست أجنبيا، أنا أمريكي.

    ويعرف الوطن العربي صورا متعددة من تلك المشاعر، تعتمد في معظمها على التمسك بانتماءات تاريخية مختلفة، أو بإنجازات حضارية متباينة، وتركز أنظمة الحكم على ذلك إلى درجة المبالغة، وتجند كل إمكانياتها من إعلاميين ومثقفين ورجال دين، ويرفع الجميع الشعارات البراقة التي تخدّر وعي الملايين.

    وأذكر أنني تجادلت يوما مع مناضل جزائري كان يدافع عن مواقف معينة لنظام الحكم، بالاستناد إلى عظمة الثورة الجزائرية، التي افتكت من قبضة الاستعمار الاستيطاني الفرنسي أكبر الدول الإفريقية وواحدة من أهم الدول العربية، ودفعت في سبيل ذلك، منذ 1830، ملايين الشهداء، وليس مليونا فقط.

    وقلت للمذكور أعلاه أنه ليس في حاجة لتذكيري بأن الثورة الجزائرية هي أعظم الثورات الشعبية في العصر الحديث، وهي رصيد للشعب الجزائري كله، بل ولشعوب الوطن العربي والعالم الثالث أجمع، لكن نظام الحكم، أيّ نظام حكم، لا يستطيع أن يُجسد عظمة الثورة الجزائرية إلا إذا كان وفيا لمسيرتها ولأهدافها، المحلية والجهوية والدوليّة، وحريصا على تحقيق آمال شعبها وحماية مصالحه المشروعة.

    وقلت كلاما مماثلا لصديق مصري خلال أزمة الكرة الشهيرة،عندما  راح يُذكرني بعظمة الحضارة الفرعونية، مرددا نفس التعبيرات الشوفينية للإعلام المصري آنذاك، وراح يستعمل الآيات القرآنية ليؤكد عراقة مصر وعظمة تاريخها، وبأسلوب فيه الكثير من المغالطات.

    وأحمق من ينكر عراقة التاريخ المصري، وما قدمته الحضارة الفرعونية للإنسانية، غير أن عظمة الحضارة وعراقة التاريخ لا توَرّث ولا تمحو نقائص الحاضر، وأمجاد الماضي مكانها هو متحف التاريخ وأكاديميات البحث العلمي، وقديما حفظنا بيت شعر لا أذكر قائله:

    ليس الفتى من يقول كان أبي * إن الفتى من يقول ها أنذا

    غير أن مرتزقة الأنظمة يتفننون في ابتكار عناصر الشوفينية، وأحيانا بشكل عبيط وأبله، لكنه يجوز، مع الأسف، على كثيرين، لأن البشر، وليس الغواني فقط، يغرهم الثناء.

    ولقد ذكّرت يوما بتعبير تم تسريبه للرئيس أنور السادات، كان يستهدف التقليل من شأن العرب الذين رفضوا ما قام به بطل الحرب والسلام، طبقا لتعبيرات إعلام يبدو أن يجهل معنى الحرب ومضمون السلام، وكان مضمون التعبير أن “مصر لا تنتمي للعرب بل إن العرب هم من ينتمون لمصر، لأن العرب هم أبناء هاجر، وهاجر مصرية”، وهو، كما قلت يوما، تفكير حشاشين، يقوّلون التاريخ ما لم يقله التاريخ، لأن في العرب يهودا (السابرا) وهم أبناء سارة، وفيهم مسيحيون، وهؤلاء كانوا يهودا، وأغلبية العرب من المسلمين الذي لم يغادروا شبه الجزيرة منذ قرون، وعاشوا فيها قبل إبراهيم.

    لكن أخطر التوجهات الشوفينية هي تلك التي يلجأ لها نظام حكم معين، يعمل عامدا على خلق الخصوم ثم تشويههم، سعيا وراء تحقيق الوحدة الجماهيرية حوله، وهو خطاب بالغ السوء لأنه يقيم حصون عداءٍ لشعب شقيق أو مجاور، يتخندق الشعب البسيط المُسالم داخلها، ويصبح من الصعب تحقيق أي وئام أو سلام بين شعبين، من المفروض أنهما شعب واحد، أو يكاد.

    ولعل هذا هو السر الكامن وراء مأساة المغرب العربي، والمتمثلة في التوتر المغربي الجزائري، وهو توتر زرعت بذوره المُعاصرة مع استقلال المغرب في منتصف الخمسينيات، والذي اضطرت فرنسا لقبوله، للتخلص من جلّ مستعمراتها الإفريقية، لكي تتفرغ لسحق الثورة الجزائرية.

    وتم التخلص من عناصر جيش التحرير المغربي، الذين كانوا من خيرة المجاهدين، ومن بينهم من انضم فيما بعد للثورة الجزائرية ليساهم في تحرير الجزائر، كالمجاهد الهاشمي الطود، أطال الله عمره، وكثيرون آخرون ضاعت أسماؤهم من الذاكرة.

    لكن الطبقة السياسية في المغرب  لم تكن كلها من رجال جيش التحرير، وهو ما ينطبق أساسا على الزعيم علال الفاسي.

    كان الفاسي مثقفا إسلاميا بارزا وخطيبا مفوها متميزا وواحدا ممن أسسوا مكتب المغرب العربي في القاهرة، لكنه لم يرتبط بالكفاح المغربي المسلح، وعندما استعادت المغرب السلطان محمد الخامس وأكدت استقلالها كان على الزعيم أن يجد أطروحة تجمع حوله الجماهير، وهكذا رفع شعار المغرب الكبير ليكون سلاحه في ضمان الأغلبية الشعبية، وكان “مغربه” يضم أجزاء من الجزائر ومالي والصحراء الغربية وكلّ موريطانيا، وتحالف الفاسي مع القصر الملكي متناسيا آراءه حول الديموقراطية، ليضمن لعناصر حزبه التغلغل في جهاز الدولة.

    ومع استرجاع الجزائر لاستقلالها بدأت عملية تحريض واسعة النطاق ضدها، كانت خلفيتها الحقيقية النظرة التوسعية التي اعتمدها ساسة المغرب، وكان أسلوبها شوفينية عدائية اعتمدت قراءة مبتسرة لتاريخ المغرب العربي.

    وكان الغزو المغربي للجزائر في أكتوبر 1963، والذي رفضته عناصر من أشراف المعارضة، في مقدمتهم المهدي بن بركة، الذي لم يغفر له النظام عدم تأييده لعدوانيته.

    وارتكبت الجزائر خطيئة سياسية كبرى عندما أدارت ظهرها للمعارضة المغربية، سيرا على منطق عدم التدخل في الشؤون الداخلية للجيران، واحتراما للدور الكبير الذي قام به الشعب المغربي في دعم الثورة الجزائرية.

    لكن هذا الموقف كانت له خلفية أخرى، شرحها لي الرئيس هواري بو مدين يوما، عندما تساءلت عن سبب تجاهلنا للعديد من قيادات المعارضة، فقال: كنا نحمل الودّ لكثيرين احتراما لموقفهم من غزو 1963، لكنني فوجئتُ، يقول الرئيس، بأن الجنرال أوفقير كان يأتيني بعد أيام بمحاضر جلساتِ حوارٍ ضمّت جماعتنا مع معارضين مغاربة، ولهذا أقفلت باباً لأتفادى ما يتسرب منه من ريح يفسد محاولاتنا لضمان الاستقرار في المنطقة.

    وكانت الخطيئة الثانية للجزائر أنها لم تتوقف كثيرا لمواجهة الطروحات المغربية التي تواصلت عبر الصحف والندوات الحزبية، وارتكزت على مجموعة من المعطيات المشوهة أو المبتورة أو الزائفة. وكان هذا ما أصبحت الجزائر تواجه آثاره بعد أن تفجرت قضية الصحراء الغربية، والتي تتواصل منذ نحو خمسة عقود.

    كان إيمان الجزائريين بالمغرب العربي جزءا أصيلا في حياتهم السياسية، بالمعنى الشامل، فوالد الوطنية الجزائرية مصالي الحاج كان عضوا مؤسسا في نجم شمال لإفريقيا في العشرينيات، وكان بناء المغرب العربي بندا أساسيا في بيان ثورة أول نوفمبر 1954، وكانت أهازيج المغرب العربي تشدو بها حناجر الشباب من كشافة ورياضيين، بل إن جزائر الاستقلال أعطت اسم شارعين رئيسيين في العاصمة لرجلين من عظماء المغرب، هما السلطان محمد الخامس والأمير عبد الكريم الخطابي، وأكثر من ذلك، كان الرئيس الجزائري الأول، أحمد بن بله، يفخر بأصوله المراكشية (واسم المغرب لم يُطلق على المملكة إلا في 1912)

    لكن الجزائر كانت تدرك أن قضايا الحدود هي قضايا شائكة، وبدون أن تنكر بأن ظلما كبيرا أحاط بترسيم الحدود في القارة الإفريقية وغيرها، فإنها أدركت بأن حل قضايا الحدود يجب أن يخضع لحوار نزيه وموضوعي، ولم تتردد في الإعلان بأن أي مساس أحمق بالحدود سيجعل منها ألغاما شديدة البطش بكل ما حولها.

    ومن هنا التزم النظام الجزائري بما قررته منظمة الوحدة الإفريقية في أديس أبابا عام1963، من ضرورة احترام الحدود الموروثة عند الاستقلال، وهو ما تم تأكيده في القاهرة في العام الموالي، وما تحفظت عليه المملكة المغربية، وقيل يوما أن الأمر يقصد به الاحتلال الإسباني لمدن مغربية، وهو احتلال ما زال قائما.

    ولأن الجزائر محاطة بكل من تونس وليبيا شرقا ومالي والنيجر جنوبا وموريطانيا والصحراء الغربية والمغرب غربا، بدأت شيئا فشيئا في حل قضايا الحدود عبر الحوار، وتم ذلك مع كل البلدان المجاورة ما عدا ليبيا، التي جُمد فيها الحوار تجاوبا مع آراء العقيد القذافي، الذي كان يردد أنه لا يؤمن بالحدود، ولكن مع احترام كل طرف للوضعية القائمة.

    وكان أهم ما أنجز ترسيم الحدود مع المملكة المغربية، الذي استكملَ معاهدة “لالا مغنية” في 18 مارس 1845، حيث رسمت الحدود يومها من قلعة “عجرود” على ساحل المتوسط إلى “ثنية الساسي”، بطول نحو 140 كلم، وبقيت المناطق الجنوبية دون ترسيم إلى 1972، حيث تم توقيع اتفاقية تشمل كل الحدود بين الجزائر والمغرب، بحضور نحو أربعين رئيس دولة وحكومة إفريقية، وصادقت الجزائر في العام التالي على الاتفاقية، التي كان بها ملحق اقتصادي رئيسي يشمل بناء مصنع للحديد والصلب على شاطئ البحر بملكية مشتركة بين البلدين، يكفل مناصب شغل لمئات العمال المغاربة، ويستثمر الحديد الخام المستخرج من منطقة غار جبيلات، في أقصى الجنوب الجزائري، الذي ينقل عبر التراب المغربي إلى الشمال.

    لكن هذا المشروع أجهض، وواصلت قيادات مغربية عملية التحريض ضد الجزائر، التي ظنت أن المشاكل قد تم حلها إلى الأبد، وفيما بعد ادعت تلك القيادات أن الجزائر تطمع في ممر نحو المحيط الأطلسي، وهو هراء يستغل جهل البعض بالجغرافيا، وينسون أن هناك فعلا ممرٌّ عبر التراب المغربي يحمل الغاز إلى إسبانيا، وتستفيد منه ومن عائداته البلدان الثلاثة.

    كانت السموم قد فعلت فعلها في الداخل المغربي، والشعب المغربي شعب طيب وكريم، وتلتقي فيه الأصالة الأمازيغية بالنبل العربي، لكن اختفاء الرأي الآخر جعله ضحية الإعلام المشوه، وشيئا فشيئا أصبحت شعارات الأخوة وحسن الجوار طلاءً زائفا يخفي مشاعر عداء واستعلاء، تفضحها الأزمات المفتعلة بين الحين والآخر.

    ومنذ عدة شهور تحاورت مع رفيق مغربي في أحد اللقاءات المشرقية، قال لي، بعذوبة كادت تخدعني: أنا ممن يرون، حلا للمشاكل بين بلدينا، أن تتنازل الجزائر عن دعمها للبوليزاريو ويتنازل المغرب عن حقوقه في منطقة “بشار” (في الجنوب الغربي للجزائر) التي أضافتها فرنسا، كما قال، إلى القطر الجزائري، وقلت له بهدوء أن قضية البوليزاريو هي قضية من صلاحيات الأمم المتحدة، وقد استقبل قادتها رسميا في الرباط، ومن جهتي، فلست مضطرا لاجترار التاريخ القديم، الذي لم نعشه لا أنا ولا هو، لكنني أسأله بكل بساطة: كم مغربيا استشهد في سبيل تحرير منطقة بشار من الوجود الفرنسي ؟

    لا أحد بالطبع، في حين أن العقيد الجزائري لطفي، ابن وهران، استشهد مع رجاله في منطقة بشار على يد القوات الفرنسية، وقد حاربنا سنوات وسنوات لانتزاع هذه الأرض من الفرنسيين، واستفتي شعبنا فيها على الاستقلال في 1962، وبغض النظر عن ذلك فإن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  قَالَ : ” لَيْسَ الصَّيْدُ لِمَنْ أَثَارَهُ ، إِنَّمَا الصَّيْدُ لِمَنْ صَادَهُ ” ؟.

    ومنذ أسابيع كان لي على صفحات رأي اليوم حوار مع أديبة مغربية رائعة، لم تتحكم في ما كانت تختزنه في وعيها الباطن مما سُرّب إليها، فراحت تحدثني عن الصحراء الشرقية المغربية، التي قالت أن فرنسا اقتطعتها من المغرب وضمتها إلى الجزائر.

    ولم يكن ذلك جدالا أو مشاكسة، بل كانت تؤمن بما تردده، لأنه زرع فيها منذ طفولتها وربما قبل ولادتها، تماما مثل الرفيق السابق ذكره، ولأن هناك تعتيما على الحقيقة التي تقول أن اتفاقية للحدود الجزائرية المغربية قد وقعت نهائيا في يونيو 1972 بحضور نحو أربعين رئيس دولة وحكومة، وأودعت في وثائق الأمم المتحدة وقضت نهائيا على خرافة الصحراء الشرقية.

    وحتى هذه الاتفاقية الدولية وجدنا من يجرؤ على أن يقول عنها، وفي هذا المنبر على وجه التحديد: “اتفاقية 1972 ليست لها قيمة قانونية، على اعتبار أنها لم تخضع للاستفتاء الشعبي”، وكأن ذنب الجزائر أنها لم تطالب الملك الحسن بعرضها على الاستفتاء، على فرض أنه كان سيقبل ذلك، مع أنه رفض إجراء استفتاء حقيقي شفاف في الصحراء الغربية.

    ولن أتوقف طويلا عند البكاء على “أموال” الشعب الجزائري التي يذرف البعض دموع التماسيح زاعما أنها لا تنفق في خدمة الشعب الجزائري، ولا عند الادعاءات بأن الجزائر بلاد يحكمها عسكر، ولا حتى التشفي الرخيص في مرض رئيس الجمهورية، الذي كان فرصة ليرى العالم أن الحياة مستمرة في الجزائر، لأن في الجزائر دولة بمعنى الكلمة، رغم كل المشاكل الاجتماعية والأخطاء الإدارية والاضطرابات التي يعرفها الشمال الإفريقي.

    ولن أعود إلى أسطوانة التشكيك في التاريخ الجزائري، فليس ذنبنا أن هناك من يجهل ماسينيسا وصيفاقص ويو غورطة وتاكفاريناس ودوناتوس وأبوليوس، وتفاصيل الجمع بين نوميديا وموريطانيا الشرقية، ثم طارق بن زياد بعد الفتح الإسلامي، ثم جهاد البحر الذي استمر ثلاثة قرون ضد الأسبان.

    وعلى الناس أن يتصوروا بأن هزيمة شارلكان في خليج الجزائر عام 1451 هو إنجاز قامت به “عفاريت زرق”، وعليهم أن ينسوا كفاح الأمير عبد القادر وأحمد باي في القرن التاسع عشر، وكفاح سلسلة من المجاهدين استمر أكثر من قرن، وسيصدقون من يقول، بأسلوب “ويل للمصلّلين”، بأن الجزائر حصلت على استقلالها بفضل استفتاء نظمته فرنسا، وهو أمر صحيح إذا أضفنا له أن شعبنا اختار الاستقلال رغم أنف الجيش الفرنسي.

    وأنا أقول دائما أن الشعب المغربي في مجموعه مظلوم تماما فيما يتعلق بالشنآن مع الجزائر، لأنه، وخصوصا منذ الستينيات، يتعرض لعملية غسل مخ متواصلة، “توّجَها” مؤخرا رئيس الوزراء المغربي، الإسلامي الذي خدعتُ به يوما، والذي ألاحظ اليوم أنه يبدو أكثر شبابا وحيوية بعد أن أنقص حجم لحيته إلى الحد الأدنى.

    وهكذا قال السي “بن كيران” أن الجزائر لا تريد فتح حدودها مع المغرب حتى لا يطلع الجزائريون على مدى التقدم والازدهار الذي يعيشه المغرب، (هكذا) وكأننا نعيش في القرون الوسطى، حيث لا أنترنت ولا محمول ولا ويكيبيديا ولا مراسلين أجانب يجوسون خلال كل الديار.

    من هنا يبدو من باب المقارنة المسطحة أن يذكرنا البعض بتجربة الوحدة الأوربية، التي كانت قاعدتها السياسية قيام المصالحة التاريخية بين فرنسا وألمانيا، ومن منطلق أن مصالحة جزائرية مغربية ستضمن بناء المغرب العربي، وهو أمر صحيح، لكن المقارنة مع أوربا يجب أن تكون مقارنة كاملة، وما حدث في أوروبا هو أن أحلام الجنس الآري المتفوق قد تبخرت، تماما مثل أطماع المجال الحيوي للألمان في أوروبا، وأطماع الاستيلاء على الألزاس واللورين.

    والمشكل أن وحدة أوروبا جاءت نتيجة لحروب طاحنة وهو ما نأمل ألا تعيش منطقتنا مثيلا لها، ومن هنا أنادي دائما بالحكمة والتبصر والنظرة المستقبلية الواعية.

    والله يهدينا سواء السبيل.


    كاتب ووزير اعلام جزائري سابق